أفادت صحيفة “لوفيغارو” أنّ الحكومة الفرنسية تتجهز لموجة الاحتجاجات التي تشهدها العاصمة باريس، عقب مقتل شاب من أصول عربية بنيران الشرطة، وقد حاول الرئيس الفرنسي تدارك الأزمة قبل تفاقمها بخطاب يدعو فيه إلى تفعيل القانون وتسريع وتيرة التحقيق مع الجاني، بعدما تم تغيير الرواية الرسمية وسط انتشار فيديو مقتل الشاب برصاص الشرطي بدم بارد، في الوقت ذاته سمحت المحكمة السويدية لشاب بإحراق مصحف بالتزامن مع عيد الأضحى للمسلمين، وقد علقت الحكومة على الفعل كونه قانونيا لا ينافي قيم الغرب الداعمة للحرية، وما بين التنديد والصمت الدولي إزاء العنف الممنهج ضد احترام الأقليات والحق في الحياة، عبرت الحكومة البريطانية عن خيبتها من قرار محكمة الاستئناف القاضي بعدم ترحيل المهاجرين إلى الأراضي الرواندية.
رهاب الحريـة
تعد الحرية أسمى مراتب القيم الإنسانية التي من خلالها تتجلى الحقوق العامة والفردية، وبها تأخذ الأحكام البشرية قيمتها من حيث الجزاء والعقاب، والتواصل والتدافع، فمن افتقد الحرية لم يكن ليجازى عن فعل تجاوز اختياره، وهي بذلك تعارض عمليات الإكراه التي تطال المجتمع والفرد بأسماء مستعارة كالدين والعرف والثقافة، فالحرية ليست هبة بشرية يتدافعها الناس فيما بينهم، أو سلعة يمكن اقتناؤها من مضاربات الرأسمالية في أسواقها العابرة، إنّها جوهر الإنسانية بكل ما تحمله مضامينها التأسيسية لحضارة مستدامة، تقوم على العدالة والكرامة والديمقراطية، والحرية صراط يقف الناس عليه آملين الانعتاق من سطوة ما يستجلبه التاريخ من شروط للهيمنة على الآخر كونه مختلفا، قابلا للتصنيف والتبضيع، ضمن أسطورة ملفقة وحكايات استشراقية واهية.
وحيثما تنادت الأصوات بالحرية كانت معاول الهدم والخوف تقبر الأحلام المبشرة بها، فالخوف من التحرر حالة مرضية متعلقة بحد كبير برغبة البشر في السيطرة، وقدرتهم على الاستمرار في ذلك بشتى أنواع القهر والهيمنة، ولتحقيق ذلك كان عليه أن يختلق صورا تمكنه من تحييد الآخر الذي يحتقره ويلغيه، إذ من السهل تصنيف العرب والسود على أنهم برابرة شهوانيون، مهددون للحضارة، ليس بمقدورهم الاندماج داخل المجتمع الغربي.
وقد تلازمت تلك الأوصاف مع حالة العنف والارتياب التي يعيشها الغرب ضد الأقليات المسلمة والسوداء، فمن الإسلاموفوبيا إلى الإكراهات المستمرة للأقليات وإلزامها بقبول الثقافة المغايرة عبر ترسانة القوانين الأوروبية، تتجذر “متلازمة ليبارتيفوبيا” في السياسة الغربية كحالة جنونية يعيشها الغرب إزاء فشله المستمر في تطوير الحضارة وفق نمط إنساني تعايشي، قابل للاستمرار مع التهديدات الكبيرة من جوائح الطبيعة وإكراهاتها.
إنّ متلازمة ليبارتيفوبيا اضطراب في طبيعة التكوين الحضاري للغرب، وقد زادت حدتها مع تنامي هيمنة الاستعمارية الجديدة على الحياة الثقافية والهوياتية، فما استحدثته متلازمة ليبارتيفوبيا من اكراهات قلبت بها موازين التصنيف الطبيعي للهويات والثقافات الإنسانية، لتغدو في كثير من التصرفات الغربية الاستفزازية تشوهات مرضية تنبئ بزوال الحضارة، ولعل رفض الأقليات والممارسة المؤسساتية العمومية في السويد، ومحاربة الهجرة غير النظامية، ودعم الديكتاتورية في الضفاف الجنوبية أحد أهم الملامح المصورة لها.
من واشنطن إلى باريس
كان مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة شرارة الانتفاضة ضد الممارسات العنصرية تجاه السود، إذ بلغت مستويات استهداف ذوي البشرة السوداء في أمريكا مستويات بلغت حد الاعتراف بإمكانية نشوب حرب أهلية، كان ذلك الاستهداف ينبع من هياكل نظامية أنيط لها حفظ الأمن العام، غير أنّ بنية المؤسسة الأمنية الأمريكية ظلت تحمل الطابع الانتقائي في استهداف ما يسمى بالمجرمين المحتملين، والذين كان غالبيتهم مشتبه بهم لمجرد أنهم من أصول أفريقية.
حوادث استهداف السود أخذت صورة مغايرة في أوروبا بقيادة الجمهورية الفرنسية، إذ لا يتوانى وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمان عن بث الخطابات العنصرية التحريضية ضد المسلمين، ففي زيارته لواشنطن قال إنّ الفرنسيين يختلفون عن الأمريكيين في رؤية وطنية للأزمات، مثل التفوق العرقي الأبيض، وعمليات إطلاق النار الجماعية المتكررة، إذ لا ينبغي أن ينسوا ما يبدو للأوروبيين التهديد الأول ألا وهو الإرهاب السني، ومع أنّ الوزير جيرالد تجاهل ذات العمليات اليومية المستهدفة للمسلمين من طرف اليمين المتطرف، إلا أنّه حاول تخليص أوروبا من عقدة الإسلاموفوبيا والعنصرية والقتل المنظم الذي يطال بعض المكونات الاجتماعية، وعلى ذلك سار الأوروبيون في دعمهم للقرارات المناوئة لرغبة الأقليات في الاندماج الوطني، عبر اختلاق أعداء محتملين.
تعيش فرنسا الحرية حالة من الرعب السياسي تجاه الانتفاضة الشعبية الرافضة للإرهاب المؤسساتي الأمني ضد الأقليات، فجمهورية جيرالد وماكرون لا تفرق بين الأسود والعربي إلا عبر أسماء الضواحي التي يعيشون فيها، إنّها ترى في تلك الضواحي مرتعا للفقر والجريمة والتخلف المهاجر من الجنوب، واستهدافها لا يكون إلا بالتهميش المتعمد وسن قوانين انعزالية وبث الكراهية الاجتماعية أو الاستهداف المباشر لها من طرف آلة القتل النظامية، وهذه العقيدة من العنف المؤسساتي قد أنتجته “فلسفة الاحتقار الغربية” في تبنيها التلفيقات المتخيلة ضد الضواحي، وزعمها التفوق الحضاري وعدم قدرة المهاجرين على الاندماج الوطني.
المسيرة البيضاء
يدعم الغرب وفي مقدمتهم الجمهورية الفرنسية الأعمال الدنيئة كونها حرية فردية، ضمن قرارات قضائية تحميها الشرطة الأوروبية، فأن يحرق متهور كتابا مقدسا للملايين من المسلمين الذين يكوّنون المجتمع الأوروبي، ليس جرمـا في حق الإنسانية ولا الحقوق العامة ولا خرقا لحرية الآخر، بل على المجتمع أن يرضخ للإكراهات المؤسساتية لإقرار الهيمنة على المناحي الثقافية والهوياتية للمجتمعات التقليدية، أما أن يتم حرق علم المثليين أو تنتقد الصهيونية أو تحرك الأصوات لنقد دعم الأوروبيين الحرب في أوكرانيا، فإنّ لوائح الاتهام من قبيل حماية الأقليات ومعاداة السامية ستكون الشرارة الأولى لتجييش الإعلام الغربي الذي يتجاهل انتفاضة الضواحي كما تغافل عن حركة السترات الصفراء والاحتجاجات النقابية الرافضة لرفع سن التقاعد.
يرفض الأوروبيون الامتثال لدعوات السّلام العالمية عبر ضخ المزيد من الإكراهات والخطابات التحريضية والعنصرية، وهم لا يتورّعون عن دعم نظام الفصل الصهيوني في فلسطين القائم على التهجير والإبادة، كما أنّ أيديهم ملطخة بجرائم ضد الإنسانية في افريقيا الوسطى وأفغانستان والعراق، وآخر تلك الجرائم إغراق سفينة كانت تقل أكثر من 700 طالب لجوء قبالة السواحل اليونانية، في كارثة هي الأسوأ منذ إقرار الأمم المتحدة لعمليات الإنقاذ، ولعل المؤسسة الأممية التي يترأسها الأمين العام أنطونيو غوتيرش، غير معنية بجرائم القتل اليومية للأطفال داخل فلسطين المحتلة من طرف الاحتلال الإسرائيلي، فقائمة العار مع عدم جدواها القانونية، لا يمكن للأمم المتحدة انكار دعمها وتواطؤها في إقرار القتل الجماعي بالتغاضي عن جرائم الاستيطان الصهيوني.
كاتب جزائري