زهران ممداني رفقة زوجته الفنانة راما دوجي (أ ف ب)
لندن-“القدس العربي”:
في الوقت الذي كان العالم يعتقد أن هناك سيطرة للحزب الجمهوري بزعامة دونالد ترامب على المشهد السياسي الأمريكي وإحداث تغييرات جذرية، تأتي نتائج انتخابات عمدة نيويورك لتبرز كيف أن الحزب الديمقراطي قادر على العودة بقوة إذا اكتسب الشجاعة واختار “التقدمية”، وعنوان ذلك فوز المرشح “المسلم والاشتراكي” بعمدة بلدية نيويورك، زهران ممداني.
ومنذ الفوز الثاني لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية التي جرت خلال نوفمبر الماضي، ساد الاعتقاد أن الولايات المتحدة أصبحت دولة محافظة جدا على حساب الحزب الديمقراطي الذي يمثل نسبيا الجناح التقدمي في السياسة الأمريكية. غير أن الانتخابات التي جرت أمس الثلاثاء من الأسبوع قدمت صورة مغايرة بفوز مرشح الحزب الديمقراطي بمنصب عمدة بلدية نيويورك، وكذلك فوز مرشحي الحزب بمناصب حكام بعض الولايات وعلى رأسها فرجينيا. وتظهر هذه النتائج أن التغيير الذي عاشته الولايات المتحدة العام الماضي “مؤقت”، وأنه نتاج شخصية ترامب أكثر من كونه تغييرا جذريا في صفوف المجتمع الأمريكي.
ويمكن الوقوف عند الخلاصات الرئيسية بعد انتخابات الثلاثاء وهي:
في المقام الأول، تحلى مرشح الحزب الديمقراطي زهران ممداني بالشجاعة وأعلن انتمائه إلى الاتجاه التقدمي اليساري في الحزب، حيث لم يتردد رئيس بلدية نيويورك الجديد في الإعلان على أنه اشتراكي ومسلم وحصل على أكثر من 50% من الأصوات. وهذا يعطي الحق لأنصار عضو مجلس الشيوخ بيرني ساندرز الذين كانوا يحاججون ومازالوا منذ سنة 2016 بأنه في مواجهة محافظي الحزب الجمهوري يجب رفع راية التقدمية والميل أكثر للأطروحات اليسارية.
في المقام الثاني، انخراط الشباب في حملة المرشح الديمقراطي إلى مستوى أنه شارك في حملته الانتخابية المباشرة أكثر من 80 ألف متطوع، وهو رقم ضخم مقارنة مع سكان نيويورك. وأبرز ذلك أن ظاهرة جيل زيد من الشباب الذي يحدث تغييرات مجتمعية، وصلت الى الولايات المتحدة. وإذا تحرك الشباب، فهذا سيعني تقدم الصف التقدمي. ولا يتردد هذا الشباب في دعم القضايا العادلة سواء الهجرة في الداخل الأمريكي أو القضية الفلسطينية في الخارج.
في المقام الثالث، تبرز هذه الانتخابات أن تحرّك الحزب الديمقراطي قادر على كبح الزحف الجمهوري. فقد حصل الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على 74 مليون و800 ألف صوت، مقابل 71 مليون و250 ألف لكامالا هاريس، متقدّمًا بنحو ثلاثمئة ألف صوت فقط عمّا حققه في انتخابات عام 2020 التي خسرها. وعندما استشعر الناخبون التقدميون خطر ترامب في انتخابات 2020، هرعوا إلى صناديق الاقتراع، ومنحوا جو بايدن أكثر من 81 مليون صوت (عشرة ملايين أكثر من ترامب) ، وهو العدد الأعلى في تاريخ البلاد. غير أن تردّد بايدن وميله إلى النهج المحافظ ومنها انحيازه لإسرائيل جعلا الناخب التقدمي يفقد حماسه، فابتعد عن المشاركة الكثيفة في التصويت، مما سهّل فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ومن ضمن الأمثلة حول أخطاء بايدن وهاريس، كشف استطلاع للرأي لمؤسسة غالوب في مارس 2023 أن 49% من الديمقراطيين يؤيدون حقوق الفلسطينيين، بينما نسبة الذين لا يؤيدون أي طرف تصل إلى 11%، ومؤيدو إسرائيل تراجعوا إلى 38%. وعليه، فإن أي عودة للحزب الديمقراطي إلى تبنّي الفكر اليساري التقدمي بروحه الليبرالية ستعني استعادة شريحة واسعة من الناخبين، وهو ما مكّنه بالفعل من تحقيق مكاسب في بلدية نيويورك ومنصب حاكم ولاية فيرجينيا أبيغل سبانبرغر.
في المقام الرابع، من المنتظر أن يعلن الحزب الديمقراطي الحرب ضد ترامب من خلال رفض حكام الولايات والبلديات من الديمقراطيين القرارات التي يتخذها وتمس صلاحياتهم. كما أن عدداً من الدول ستعتبر هذه الانتخابات نهاية ترامب قبل فوات الأوان ولن تسايره في الكثير من المخططات الدولية مثل حالة أوكرانيا حيث يريد دفع كييف إلى التخلي عن أقاليمها التي سيطرت عليها روسيا لصالح الأخيرة.
وهكذا، عادة ما تحمل السياسة الأمريكية مفاجآت وآخرها تولي مهاجر تجنس بالجنسية الأمريكية سنة 2018 ولا يتجاوز عمره الآن 34 سنة ويعلن اشتراكيته وإسلامه، عمادة بلدية نيويورك، أكبر وأغنى مدينة في العالم ومعقل وول ستريت. ومن المرجح أنه في انتخابات السنة المقبلة التي ستهم مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ و36 حاكم ولاية، لن يتردد الحزب الديمقراطي في معانقة الفكر التقدمي ليس فقط لهزيمة الحزب الجمهوري بل المحافظين وسط الحزب الديمقراطي من تيار كلينتون وجو بايدن.
قد يكون ما جرى من أحداث في العالم وحروب هي السبب وكذلك كره بعض الامريكان لترامب في نيويورك وخاصة الشباب وليس حبا بالاشتراك والتقدير