مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية كريم خان
لندن – “القدس العربي”:
نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تحقيقا أعده ديفيد دي.كيركباتريك حول الاتهامات الموجهة لمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، وتحت عنوان “هيغ أمام المحكمة”، أشار كيركباتريك إلى نشوء الجنائية الدولية في أعقاب مذبحة رواندا والحرب في البلقان، وبدأت بداية بطيئة، وأصدرت خلال عقدين من عمرها حوالي 40 مذكرة اعتقال معظمها استهدف قادة في أفريقيا وأمراء حرب هناك.
ولكنها تجنبت مواجهة القوى العظمى أو الدول الحليفة لها، وواجهت انتقادات بأنها استهدفت الضعفاء وتجنبت الأقوياء. ووقعت على نظام روما الذي عبد الطريق أمام ولادة المحكمة 125 دولة، ليس منها الولايات المتحدة أو روسيا والصين ولا إسرائيل. وتخضع المحكمة لمجلس من الدول المشاركة وفي عام 2021 انتخب كريم خان كمدع عام لها، وهو بريطاني من أصل من باكستاني يبلغ من العمر 55 عاما، هاجر والده من باكستان وعمل سابقا مساعدا للأمين العام للأمم المتحدة حيث اشرف أثناء عمله على تحقيقات في انتهاكات تنظيم الدولة الإسلامية، وتعهد بأن يعيد تنشيط الجنائية الدولية ومعاملة الجناة على قدم المساواة، أقوياء وضعفاء.
وقعت على نظام روما الذي عبد الطريق أمام ولادة المحكمة 125 دولة، ليس منها الولايات المتحدة أو روسيا والصين ولا إسرائيل
وتباهى خان أمام زملائه بأنه أصدر في أعوامه الثلاثة الأولى أكثر من 40 مذكرة اعتقال بعضها لم يعلن عنه. ومن بينها مذكرة اعتقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغزوه أوكرانيا وقادة حماس بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يواف غالانت بسبب القتل المتعمد للمدنيين وحرمان السكان من الطعام.
كانت مذكرات التوقيف الإسرائيلية هي الأكثر إثارة للجدل التي أصدرتها المحكمة على الإطلاق، وهي أيضا الأولى ضد حليف وثيق للولايات المتحدة. (في عام 2020، فرضت إدارة ترامب الأولى عقوبات على المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لمجرد بدء تحقيق في جرائم محتملة ارتكبتها القوات الأمريكية في أفغانستان ولم يتم توجيه اتهامات في النهاية إلى أي أمريكي). وكان خان يحب أن يعرف الناس ما يعمل وطوال معظم عام 2024، سمح لمخرج أفلام وثائقية بمتابعته في جميع أنحاء العالم أثناء إجراء تحقيقات مختلفة.
في شهر أيار/مايو من ذلك العام، في اليوم الذي تقدم فيه بطلب للحصول على مذكرات التوقيف الإسرائيلية، جلس خان لإجراء مقابلة في المحكمة مع كريستيان أمانبور، من شبكة “سي إن إن”.
وتكشفت حياة خان في غضون ساعات، ففي مساء 17 تشرين الأول/أكتوبر 2024، كان جالسا في مطعم كباب في لندن، يستعد لإلقاء خطاب، عندما رن هاتفه. وكانت المتصلة امرأة ماليزية في الثلاثينيات من عمرها، محامية عملت في المحكمة الجنائية الدولية لمدة سبع سنوات. وتعمل الآن كمساعد خاص للمدعي العام، وكانت صريحة بشأن حزنها على المعاناة في غزة. قالت إنها كانت تتحدث من سريرها في منزلها في لاهاي، حيث مقر المحكمة.
وكانت المرأة، التي أخبرت خان أنها تعاني من التهاب في الجهاز التنفسي واكتئاب منهك، تدخن سيجارة إلكترونية بصوت عال بينما قالت إنها بحاجة إلى إجازة للتعافي.
ومع ذلك، سرعان ما أوضحت أن معالجة المشكلات الصحية لم تكن الغرض الوحيد من مكالمتها. فقبل خمسة أشهر، وقبل وقت قصير من تقديم خان طلبه للحصول على مذكرات التوقيف الإسرائيلية، أبلغ موظفان آخران في المحكمة إدارة الموارد البشرية في المحكمة الجنائية الدولية أن المرأة الماليزية اشتكت سرا من خان، قائلة إنه تحرش بها جنسيا عدة مرات.
والتقى بها أعضاء مكتب الرقابة الداخلية؛ ورفضت المشاركة في التحقيق أو الإجابة على الأسئلة، وأبلغت خان بتلك القرارات. أوقفت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقها، وواصلت العمل مع خان.
وطوال ذلك الربيع، شن مسؤولون أمريكيون وأوروبيون حملة ضغط لثني خان عن السعي للحصول على مذكرات التوقيف الإسرائيلية. وحذر مستشار عسكري على صلة بالاستخبارات الغربية المحكمة من أن الموساد كان يحاول اختراق المحكمة.
وفي ذلك الخريف، بدأ أحدهم حملة لتسليط الضوء مجددا على التقارير المنقولة عن خان، والتي مضى عليها أشهر. وسرب حساب بريد إلكتروني مجهول أحد التقارير للصحافيين، وحاول الكثيرون الاتصال بالمرأة والمحكمة الجنائية الدولية. ولم تجب، مما أدى إلى وقف الحملات الصحافية، على الرغم من أن الاستفسارات أثارت شائعات في المحكمة، على ما يبدو.
وفي المكالمة الهاتفية مع خان، لم تشر المرأة قط إلى أي تحرشات جنسية أو أي سوء سلوك آخر، لكنها أعربت عن أسفها عدة مرات لأنها سمعت زملاءها يثرثرون بأنها إما “مهووسة” به، أو، الأسوأ من ذلك، جاسوسة إسرائيلية. ووفقا لتسجيل أجرته للمكالمة، قالت لخان إنه “من الإهانة” أن يطلق عليها “عميلة الموساد”. “لقد فقدت عمليا كل صديق كان لي في المحكمة، لا أعرف أين أبحث بعد الآن، أعتقد أن الوقت قد حان لأرحل”.
وحذرها خان أكثر من مرة من “الذئاب من حولنا”. واستمرت المكالمة ساعة، وخلالها سألها ست مرات إن كانت تسجل محادثتهما. (كذبت وقالت لا). لكن نبرته كانت داعمة، شجعها على أخذ الإجازة التي تحتاجها، وعلى استمرار راتبها من خلال إجازة مرضية.
وطمأنها قائلا: “ستظهر الحقيقة”، ومع ذلك، في لحظات أخرى، بدا قلقا من أنها قد تقدم شكوى ضده. أخبرها أن التكهنات حول هذا الأمر “تبقي الأمور على حالها”، وحثها على توضيح رسمي بأنها لا تنوي اتهامه بسلوك غير لائق. قال: “إذن انتهى الأمر تماما”، ويمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تنهي “تغذية الجنون” بقولها للصحافيين: “تبا لكم ابتعدوا عني واتركوني لشأني”.
وقال لها خان: “هناك ضغوط تمارس من قبل قوى تسعى إلى إلغاء مذكرات التوقيف الخاصة بفلسطين، وإلغاء مذكرات التوقيف الخاصة بروسيا، والقضاء على المحكمة بأكملها”.
خان: هناك ضغوط تمارس من قبل قوى تسعى إلى إلغاء مذكرات التوقيف الخاصة بفلسطين، وإلغاء مذكرات التوقيف الخاصة بروسيا، والقضاء على المحكمة بأكملها
وبعد تسعين دقيقة من انتهاء المكالمة، بدأ حساب مجهول على موقع “إكس” بتسريب تفاصيل من نفس التقرير غير المباشر الذي ورد في البريد الإلكتروني المجهول. وظهرت قصص في وسائل الإعلام، بما في ذلك مقال افتتاحي في صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2024، أفاد بأن المرأة اتهمت خان “بحبسها في مكتبه ولمسها جنسيا”، وقام بـ”زيارة غرفتها في الفندق في منتصف الليل”، و”ادعى إصابته بصداع واستلقى على سريرها في الفندق ولمسها جنسيا”.
وبعد بضعة أسابيع، طلبت الهيئة الحاكمة للمحكمة الجنائية الدولية إجراء تحقيق خارجي. وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الأمم المتحدة تحقيقا، كانت المرأة تتهم خان بإكراهها على ممارسة الجنس (رفض خان، الذي نفى أي سوء سلوك، طلبات إجراء مقابلة).
وربطت تسريبات مختارة من المكالمة الهاتفية الغامضة – ولا سيما إشارات خان إلى الفلسطينيين وغيرهم من الضحايا الذين “على أعتاب تحقيق نتائج” – بشكل غير متوقع ادعاء المرأة بالاعتداء الجنسي مع صراع القوى الدولي بشأن مذكرات التوقيف الإسرائيلية. وقد زعم خان ومحاموه أن نتنياهو وحلفاءه يستغلون امرأة ضعيفة لتشويه سمعة القضية المرفوعة ضد القادة الإسرائيليين.
بدوره، زعم نتنياهو مرارا وتكرارا أن خان سعى للحصول على مذكرات التوقيف فقط لصرف الانتباه عن اتهامات المرأة. وفي مقابلة فيديو في آب/ أغسطس مع موقع “بريتبارت” اتهم نتنياهو خان بمخطط محكم، مدعيا أنه عندما علم خان بادعاءات المرأة “قال: لقد دمرت، علي الخروج من هذا الأمر بطريقة ما، لذلك قرر أن أفضل طريقة للخروج من ذلك هي ضرب اليهود، أو ضرب رئيس وزراء الدولة اليهودية”.
ورفض نتنياهو المحكمة الجنائية الدولية ووصفها بأنها “منظمة فاسدة تماما”، ووصف المتهمة بأنها ماليزية معادية لإسرائيل، واتهمها، دون دليل، بأن المحكمة قالت لها: “اسمعي، من الأهم اتهام إسرائيل زورا بارتكاب جرائم الحرب هذه، بدلا من الاستماع إلى اتهاماتك”.
وقد استغلت إدارة ترامب وحلفاء نتنياهو في الكونغرس الذي يقوده الجمهوريون مزاعم الاعتداء الجنسي كجزء من دفاع أوسع نطاقا عن نتنياهو وغالانت ضد اتهامات المحكمة الجنائية الدولية.
ويرى كيركباتريك أن محاولة ربط مزاعم الاعتداء الجنسي بمذكرات الاعتقال الإسرائيلية تتعارض مع العديد من الحقائق. لم يكن سعي خان للحصول على أوامر التفتيش جديدا أو سريا. فقد عمل فريق من المحامين في مكتب المدعي العام لعدة أشهر على التحقيق في هجوم إسرائيل على غزة. ولأن اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم جسيمة كان أمرا بالغ الخطورة، وصفه خان لأمانبور بأنه “صدع سان أندرياس للسياسة الدولية والمصالح الاستراتيجية”، فقد اتخذ أيضا، في كانون الثاني/يناير 2024، خيارا غير تقليدي بطلب رأي ثان من لجنة خارجية من الخبراء.
وضمت تلك اللجنة قاضيين سابقين أشرفا على المحاكم الجنائية الدولية، ومستشارا قانونيا سابقا لوزارة الخارجية البريطانية، وأمل كلوني، وهي محامية بريطانية لبنانية في مجال حقوق الإنسان وزوجة الممثل جورج كلوني. وخلصوا إلى وجود أدلة كافية لتوجيه تهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية على جانبي الصراع في غزة، بما في ذلك أعلى سلسلة القيادة الإسرائيلية. واتفق المحامون داخل مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على ذلك.
وبحلول أيار/مايو 2024، كان الهجوم الإسرائيلي على غزة قد أسفر عن مقتل ما يزيد عن 35.000 شخص، عدد كبير منهم من النساء والأطفال. ووفقا لوزارة الصحة في غزة، فقد توفي ما لا يقل عن 32 فلسطينيا، من بينهم 28 طفلا، بسبب سوء التغذية أو الجوع في مستشفيات غزة. وحذرت لجنة خبراء معترف بها دوليا من أن أكثر من مليون من سكان غزة قد يواجهون قريبا مجاعة كارثية. وقد تجاوز عدد القتلى المعلن عنه الآن 66,000 شخص حيث مات ما لا يقل عن 450 شخصا بسبب سوء التغذية أو الجوع، منهم 151 طفلا.
عندما تحدث خان إلى أمانبور، أوضح بعض الأسباب وراء الاتهامات. وأشار إلى أن كبار المسؤولين الإسرائيليين كرروا “كلمات مثل أنه لا يوجد شيء اسمه مدني بريء في غزة، فهم جميعا مسؤولون”.
في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بعد ستة أشهر من تقدم خان بطلب للحصول على أوامر الاعتقال، قضت غرفة ما قبل المحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية، والتي تتكون من ثلاثة قضاة، بأن خان قدم “أسبابا معقولة” بأن نتنياهو وغالانت “يتحملان المسؤولية الجنائية” عن جرائم “التجويع كوسيلة من وسائل الحرب” و”القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية” و”توجيه هجوم متعمد ضد السكان المدنيين”.
قضت غرفة ما قبل المحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية، والتي تتكون من ثلاثة قضاة، بأن خان قدم “أسبابا معقولة” بأن نتنياهو وغالانت “يتحملان المسؤولية الجنائية” عن جرائم “التجويع كوسيلة من وسائل الحرب” و”القتل والاضطهاد”
أبلغ خان المحققين أنه قرر التقدم بطلب إصدار أوامر الاعتقال في أيار/مايو 2024، بسبب إحباطه مما اعتبره أساليب إسرائيلية للمماطلة، والتي شملت إطالة أمد المحادثات بشأن السماح له بزيارة غزة لإجراء تحقيقات ميدانية. وقد منعت زيارته المطلوبة أو أُجلت لأشهر، وحتى 15 أيار/مايو لم تقدم إسرائيل الوثائق اللازمة لزيارة غزة التي كان خان قد خطط لها في نهاية ذلك الشهر. وقد أصبح يعتقد أن الإسرائيليين لن يسمحوا أبدا بمثل هذه الرحلة كما لم يسمحوا لأي صحافي أجنبي بتغطية الحرب.
علاوة على ذلك، إذا كان خان ينوي الدفاع عن نفسه من اتهامات سوء السلوك الجنسي بالادعاء بأن إسرائيل تتآمر ضده، فلم يكن بحاجة إلى الإعلان عن طلبات مذكرات التوقيف. فقد تم الإبلاغ عن خطواته نحو تلك الاتهامات على نطاق واسع في وسائل الإعلام الإخبارية قبل أيار/مايو 2024، وكان الرد العنيف من إسرائيل وحلفائها معروفا في الأوساط الدبلوماسية.
ووفقا للملاحظات الرسمية التي قدمها خان لمحققي الأمم المتحدة، في نيسان/ أبريل من ذلك العام، حذر بريت ماكغيرك، كبير مستشاري البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط آنذاك، خان في مكالمة هاتفية من عواقب وخيمة إذا سعى للحصول على مذكرات التوقيف الإسرائيلية.
وقال ديفيد كاميرون، وزير الخارجية البريطاني في ذلك الوقت، لخان إن مثل هذه الخطوة ستكون “قنبلة هيدروجينية”. في 24 نيسان/أبريل 2024، أرسل اثنا عشر عضوًا جمهوريًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، بمن فيهم ميتش ماكونيل وماركو روبيو، رسالة إلى خان يهددونه فيها صراحة: “استهدف إسرائيل وسنستهدفك، لقد تم تحذيرك”.
ووفقا لرواية أطلع عليها خان المحققين حول مكالمة جماعية أجراها مع أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، في الأول من أيار/مايو 2024، قال له ليندزي غراهام: “يمكنك أن تطلق النار على الأسرى بنفسك”، مضيفا: “هذه المحكمة للأفارقة”. (ونفى غراهام، عبر متحدثة باسمه، الإدلاء بالتصريح الثاني، مصرا على أنه قال فقط إن المحكمة مخصصة للأماكن التي انهارت فيها سيادة القانون).
ومع أن المحامين داخل المحكمة وافقوا على تقييم خان إلا أنهم حذروه وطالبوه بالتأني خشية أن يغضب الأمريكيين وحلفاء إسرائيل، وكانت المحامية الماليزية المتهمة له من بين الداعين للتأمل. لكن خان كان تحت ضغط من أجل عمل شيء للفلسطينيين حيث اتهم بأنه يساعد على الإبادة، وأخبر محام الكاتب أن “المحكمة لا يمكنها تجاهل مطالب الولايات المتحدة”. وفي حواراته الداخلية، جادل خان بأن الإعلان عن القرار قد يمنع إسرائيل من ارتكاب انتهاكات أخرى.
وفي 24 نيسان/أبريل 2024 ووسط كل الجدل، انهمرت متهمة خان بالبكاء أمام زميلة لها، ومرة أخرى أمام مسؤول بارز وهو المحامي الأمريكي ديفيد لينتش. وكان الأخير قد عارض إصدار مذكرة اعتقال ضد المسؤولين الإسرائيليين، وتصادم مع خان في كانون الثاني/يناير بشأن بيان يشجب إسرائيل، حيث وصف القتلى الإسرائيليين بالأبرياء وليس الفلسطينيين وحماس بالجماعة الإرهابية وليس المسلحة. وقالت المتهمة للينتش والزميلة إن خان جعل الحياة لا تطاق لها من خلال تحرشاته الجنسية، وقال لينتش والزميلة للمدعي العام إنه ليس لديهما أي خيار سوى تحويل الاتهامات إلى المصادر البشرية.
ونقل الكاتب عن مصادر داخل المحكمة وصفت سيناريو آخر غير التحرش، حيث لاحظ زملاؤها داخل المحكمة دفئا في العلاقات ورحلات مشتركة، مما أثار الشك بوجود علاقات خارج الزواج. وبحسب رسالة مسجلة أخبرت المتهمة خان في رسالة نصية أنها تحدثت مع محققي الأمم المتحدة وقالت إنها ليست مهتمة بالحديث وكل ما تريده هو مواصلة عملها المهني.
كان لدى خان سبب وجيه للاعتقاد بأن دراما ادعاءاتها قد انتهت عند هذا الحد. ولكن في ذلك الخريف، وبينما كان قضاة المحكمة الجنائية الدولية ينظرون في استئناف إسرائيلي لطلبات مذكرات التوقيف، أطلق أحدهم حملة لإعادة إحياء ادعاءات المرأة، في محاولة واضحة لتقويض تهم جرائم الحرب. وبدأ حساب البريد الإلكتروني المجهول بإرسال نسخ للصحافيين من بيان مطبوع من أربع صفحات قدمه لينش إلى مكتب الرقابة الداخلية في المحكمة الجنائية الدولية، يلخص ادعاءات المرأة الأولية. في ملاحظة مرفقة بهذه الوثيقة، ادعى المرسل أن خان سعى “للتغطية على فوضاه الشخصية” من خلال السعي “لتسريع تحقيقه في الحرب في قطاع غزة – بما في ذلك عملية سريعة لطلب مذكرات التوقيف”.
ادعى مجهول أن خان سعى “للتغطية على فوضاه الشخصية” من خلال السعي “لتسريع تحقيقه في الحرب في قطاع غزة”
في كانون الأول/ديسمبر، أجرت المتهمة لخان مقابلات مع محققي الأمم المتحدة لساعات طويلة. ومن بين ما قدمته، ما يقارب مئتي صفحة من الرسائل النصية بينها وبين صديقة. في هذه الرسائل، أكدت أنها تحب عملها “90% من الوقت”، ووصفت خان بأنه مدير صعب، ووصفت معاناتها مع الاكتئاب. لكن في بضع رسائل نصية على الأقل من ربيع عام 2024، وصفت صراحة تحرشات خان الجنسية. كتبت في رسالة نصية في نيسان/أبريل من ذلك العام: “يريد الذهاب في عطلة أو الانضمام إلى مهمة والبقاء لبضعة أيام. أنا جميلة، رائحة عنقي تثير الضحك”، مشيرة إلى أنها اختلقت عذرا للابتعاد عنه.
وقد يكون تحديد ما حدث بالضبط بين خان ومتهمته مهمة صعبة لمحققي الأمم المتحدة. فبالإضافة إلى إنكاره أي سوء سلوك جنسي، أخبرهم خان أن هذه الادعاءات لا تؤثر على قراره بشأن أوامر الاعتقال. وأخبر أشخاص مطلعون على حججه للمحققين الكاتب، أن دفاعه تضمن اتصالات تظهر دعمه القوي للمرأة عندما اشتكت في عام 2022 من زميلة أخرى، متهمة إياه بقول شيء اعتبرته تحرشا جنسيا.
وفي مراسلات أتاحها خان للمحققين، تبدو المتهمة له ودودة للغاية، تميل إلى الكشف عن حياتها الشخصية ومعاناتها، وتبدي اهتماما بالغا بخان وزوجته، وربما مفرطة في حماسها. حتى في الفترة التي سبقت وتلت بكاءها أمام زملائها، أرسلت إلى خان رسائل تعرب فيها عن سعادتها بالمشاركة في مهمة معه، مقترحة عليه وعلى زوجته شراء أعمال فنية لمنزلهما. وقدم خان للمحققين صورة تظهر أن مكتبه كان دائما مفتوحا جزئيا على الأقل من خلال نافذة داخلية من مكتب مساعدته الشخصية. كما جادل بأن الحراس الشخصيين يمكنهم الإدلاء بشهاداتهم حول مكان وجوده، وأنه أُصيب بالإنفلونزا في إحدى الرحلات التي زعمت أنه اعتدى عليها فيها.
وفي الوقت نفسه، أخبر مطلعون كيركباتريك على التحقيق أن خان كرس جزءا كبيرا من دفاعه لإقناع المحققين بأن إسرائيل وحلفاءها يستغلون المتهمة له للإضرار به وبالمحكمة. من بين أمور أخرى، قدم نصوصا وملاحظات توثق ما يدعي أنه تهديد خاص تلقاه في الربيع الماضي. في 26 نيسان/أبريل 2025، أرسل نيك كوفمان، وهو محام دولي بريطاني إسرائيلي بارز، تربطه علاقة صداقة بخان، رسالة نصية مفادها أنه تلقى اتصالا من مراسل صحيفة “وول ستريت جورنال”، الذي “سمع، كما قال، أنني كنت أقدم المشورة لغالانت بشكل غير رسمي”.
وأعرب كوفمان عن تعاطفه مع خان بشأن “المشاكل التي تثيرها في مكتبك”، ولم يبد أي اهتمام “بالادعاءات الفاضحة التي يثيرها الناس”. ثم، قال مشيرا إلى أنه تحدث بعد ظهر ذلك اليوم مع نائب المدعي العام الإسرائيلي السابق ذي العلاقات الواسعة، اقترح كوفمان لقاء خان في الأسبوع التالي في مكتبه في لاهاي. وقال: “لدي بعض المعرفة بالعقلية الإسرائيلية فيما يتعلق بالوضع الراهن للتقاضي”.
وافق خان على اللقاء في الأول من أيار/مايو 2025، في فندق دي إنديز، برفقة زوجته، وهي محامية دولية أيضا. ووفقا للملاحظات التي قدمها خان لمحققي الأمم المتحدة، قدم كوفمان نفسه بصفته مفوضا بتقديم اقتراح من نتنياهو وغالانت. وأخبر خان أن التهم قد وجهت فعليا لدولة إسرائيل بأكملها، وأن على خان أن يجد “طريقة للنزول عن الشجرة”. ووفقا للملاحظات، قال كوفمان إنه إذا لم يسحب خان أوامر التفتيش بطريقة ما، فإنهم (على الأرجح إسرائيل وحلفاؤها الأمريكيون) “سيدمرونكم وسيدمرون المحكمة”.
ونقل الكاتب عن ليلى سادات، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة واشنطن، والتي غادرت المحكمة الجنائية الدولية في صيف عام 2023، بعد عقد من العمل كمستشارة في مكتب المدعي العام، أنها عملت مع كل من خان ومتهمته. وقالت إنه “ليس لديها سبب للشك في حسن نية” المرأة، أو للشك في أن خان تصرف أيضا “بحسن نية” عندما سعى للحصول على مذكرات التوقيف الإسرائيلية. قالت إن الربط بين المسألتين غير معقول و”مؤسف للغاية”، وأنه مع عدم حسم شائعات سوء السلوك بشكل كامل، “ستستخدم إسرائيل والولايات المتحدة كل ما لديهما من سلاح لمحاربة تلك المذكرات”.
في أيلول/سبتمبر، دفعت المحكمة الجنائية الدولية رواتب موظفيها حتى نهاية العام تحسبا لعقوبات أمريكية إضافية من شأنها أن تغلق المحكمة تقريبا. ونقل الكاتب عن شخص مقرب من متهمة خان أن المرأة، هي الأخرى، استاءت بشدة من الخلط بين المسألتين.
بعد أن يصدر محققو الأمم المتحدة تقريرهم – المتوقع صدوره في الأشهر المقبلة – سيعتمد مستقبل خان في المحكمة الجنائية الدولية على مجلس الدول الذي يديرها وقد تلعب السياسة دورا في ذلك. لقد أعاقت الفضيحة بالفعل جهود محاسبة إسرائيل على عدد القتلى في غزة؛ وتخشى المرأة من أن يدفع الغضب من إسرائيل أعضاء المجلس إلى تجاهل روايتها، والانحياز إلى خان.