وأي صدفة؟

حجم الخط
10

هل تسمعينني؟ نعم…طبعا….. ثم ماذا؟ أخذت الكأس من يدي ضربته عرض الحائط. بدأت أشعر أن الأمور خرجت عن السيطرة وأنها فعلا بحاجة للمساعدة، ذهبت نحوها بخطى حذرة حاولت أن أهدئ من روعها. لا أدري ان كنت أهدئ من روعي أو من روعها في الواقع،على أي…. شعرت لوهلة أنها في لحظة تردد أو صدمة…اندفعت نحوها بخطى أكثر ثباتا وعزيمة لاحتواء الوضع.
وضعت يدي على رأسها وانسابت يدي بسلاسة حتى أسفل كتفها ضممتها إلى صدري، ظلت يداها مسدولتين لحظات أخرى، عانقتني ودخل كلانا في لحظة صمت ودموع… هل قلت لها أي شيء بعدها؟ كان سكوني أبلغ ما يمكنني قوله. أنا هنا يمكنك الوثوق بي دائما….بعد نفس عميق أخذت بيدها وأجلستها على الأريكة وقلت لها مازحة، الأريكة نفسها دائما نركن اليها لمراجعة يومياتنا…ابتسمت، شعرت بارتياح قليلا. دعيني أساعدك دعيني أستمع إليك على الأقل.. وماذا بعد؟ أنهمر شلال من أحاديثها الذي لا يتوقف..أعادت على مسامعي التفاصيل نفسها وبالحرف. قالت كنت أقف في طابور لا ينتهي مع أمال، ذهبت لتشتري بعض القرطاسية لنبيل وعماد….يا إلهي كم كان الطابور طويلا..أطلنا الانتظار ودخلنا في أحاديث أمال الشهيرة حول الزواج والنظريات التي لا تنتمي لشيء سوى لتجربتها الفريدة مع حسن. وإذا بي أستمع لصوت من ورائي، هل أعجبتك اللعبة؟ جدا ماما شكرا…حبيبي لا شكر على واجب…عندما نعود الى البيت عليك أن تشكر بابا أليس كذلك؟…حاضر ماما استمع كلانا للحديث الذي دار بين الطفل وأمه…. التفت لها وابتسمت لها ولطفلها الصغير…
كم عمره؟ ربما خمس سنوات..
الله (يخليلك إياه)… شكرا عزيزتي… قالت لها أمال: كم جميلون وهم صغار…كل احتياجاتهم لعبة ونزهة أوعلبة شوكولا….قالت لها السيدة: والله معك حق…يبدو أننا نتدرب وننمو معهم…
سألتها ما اسمه؟ زياد…اسم جميل…شكرا. أمال: جميل… طغت الأسماء الجديدة حروف عربية ومعان تحتاج لقواميس كل اللغات كي تجدي لها معنى…..أنا أحب الأسماء العربية…في البداية كنت أعتقد أنا وزوجي أنها بنت فكانت أمنيتي أن أسميها زينب…. زينب؟ نعم زينب أحبه كثيرا ..ابنتي اسمها زينب…..يا الله…
بدت لي سيدة راقية وعلى درجة من التعلم…سألتها ماذا تعملين قالت لي أنا خريجة علم اجتماع عملت مدة خمس سنوات وتوقفت عن العمل بعد أن انجبت زياد…أنت خريجة علوم اجتماعية؟
( ايه نعم ) أنا أيضا….علت ضحكاتنا وبدت القواسم المشتركة تظهر. سألتها أمال عن اسمها فقالت سلمى…لااااا…قالت ماذا….لاتقولي اسمك سلمى مثل أسمي….لا أنا اسمي أمال هي اسمها سلمى علت الضحكات من جديد….وصلنا لتسديد الفاتورة…قالت لها أمال تفضلي قبلنا معك طفل صغير وو…قالت لا شكرا. فأقسمت أمال أن تمر قبلنا… قبلت وقالت إذا لديكم متسع من الوقت دعونا نشرب قهوة في الطابق العلوي يوجد مقهى ظريف…تبادلنا النظرات واتفقنا على شرب القهوة مع بعض.
صعدنا إلى الطابق العلوي ونحن نتحدث، وكنا في غاية الانسجام !..أخترنا طاولة مطلة على البوسفور قالت: سكنت حديثا هذه المدينة. حقا؟ نعم كنت أسكن في أنطاليا….يا الله ما أجمل أنطاليا قالت أمال…نعم جميلة ولم أكن أرغب في مغادرتها أهلي هناك أصدقائي….أسطنبول ساحرة لكنها مكتظة لا أحب المدن المكتظة.
أنطاليا أيضا مكتظة قلت لها مازحة…أجابتني فقط في موسم الصيف يا سلمى…أقول لك شيئا… قالت : أنطاليا حرها لا يطاق…قلت لها أنا أحب المدن الكبيرة لكني أختار أحياء بعينها وسط كل هذا الزحام..حتى لا تكادي تصدقين أنك وسط اسطنبول…هذا رائع…قالت أمال : طبعا لأن زوجك مهندس اليس كذلك؟ قالت سلمى: أيضا؟….وعلت ضحكاتنا مجددا…قالت أمال : زوج سلمى صاحب شركة عقارية…فقالت زوجي كذلك..ضحكنا..لاجديد… مااسم شركة زوجك؟سألتها…. قالت شركة “المنارة العقارية “… نظرت اليها باستغراب قلت لها زوجك يعمل في شركة المنارة العقارية؟
قالت لي لا هو صاحب الشركة…تبادلت النظرات أنا وأمال للوهلة الأولى.. سألتني مستغربة وبصوت خافت ما اسم زوجك؟ قلت لها ونبضات قلبي تكاد تخنقني مراد ال…. قالت لي : لا مستحيل…قلت لها ما اسم زوجك؟ لم تجبني؛ أمسكت يدها بشدة نظرت في عينيها؛ ما اسم زوجك؟
وجدت نفسي في مكتبه؛ كل العاملين في المكتب حاولوا منعي من الدخول. الأستاذ نبيل في اجتماع؛ لا أعرف من كان هناك أو ماذا قلت له كل الذي أذكره شدة الظلام الذي كان يلفني وحر شديد شعرت بجلدي يحترق.
هل تعلمين كم مرة قصت عليّ هذه التفاصيل نفسها بدون زيادة أو نقصان؟….حرفيا طيلة الأشهر الثلاثة الماضية.
هل تأخذ دواءها بانتظام؟ نعم ؛ أنا جد حريصة على علاجها؛ أريد أن تعود سلمى التي أعرفها، القوية الواثقة بنفسها المرحة…. مهلا ؛ دعيني أوضح لكِ نقطة غاية في الأهمية عزيزتي نور…سلمى لم تكن قوية كما تعتقدين والدليل تعلقها الشديد بزوجها وانهيارها شبه التام بعد أن علمت بزواجه !
القوي لا يتعلق يا نور…القوي يحب ومن يحب يحب نفسه أولا حتى يعرف كيف يحب الآخر، عند التعرض لموقف أيا كان اسمه من الآخر أيا كانت درجة قربه منا، نتألم لا شك ونذرف الدموع ونحتاج لمرحلة التشافي. لكن أبدا لا نخسر أنفسنا ولا نسمح لشيء على وجه الأرض أن يسدد لنا اللكمات.
نحن لا نجيد الحب ولم نبذل جهدا في تعلمه واتقانه والتمتع به بقدر مابذلنا في تحسين مظاهر حياتنا، حتى تعليمنا لا يتجاوز حيز ميدان تطبيقه بكل أسف. تجدين الواحد منا يحمل أعلى الشهادات الأكاديمية، ولا يتقن حتى فن التعامل مع الطفل! بل لا يجيد حتى إيصال أفكاره بلغة سلسة وواضحة!
نحن نشأنا على سحر كلمة الحب واعتقادنا الخاطئ بمعناها، بل نكاد نفعل كل نواقض الحب ونسميها حبا كالغيرة والتملٌك..الخ سلمى ستشفى مما هي فيه إذا خاطبت نفسها بصدق وأحبت نفسها بصدق.

كاتبة جزائرية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول نجم الدراجي - العراق:

    أي صدفة !!! أم أي مفاجأة .. اطلالة الاخت والصديقة العزيزة الاستاذة منى مقراني في واحة القدس العربي بمقال ينهمر كحبات الغيث .. عودة مباركة ان شاء الله ..
    مقال جميل ارتدى ثوب القصة القصيرة ، وسردية اجتماعية وبوح انساني .. احتلت شخصية سلمى محورية المقال ، والتي عبرت في حواراتها عن القيم والعلاقات الانسانية .. قد تكون الصدفة تقدير مفاجئ يتقاطع مع تخطيط الانسان ، وربما منعطف في نهاية درب مرسوم في مخيلة سالكه ، وفي احيانا كثيرة تكون الصدفة قدر تصحيحي …
    امنياتي للصديقة الكاتبة منى مقراني بمواصلة درب الكتابة والنشر ، والشكر الجزيل لمنبر لصحيفتنا الثرية القدس العربي التي تجمعنا مع كل لحظة ابداع .
    تحياتي
    نجم الدراجي – بغداد

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    تجدين الواحد منا يحمل أعلى الشهادات الأكاديمية، ولا يتقن حتى فن التعامل مع الطفل! ” إهـ
    وهذه حقيقة يا أستاذة منى !
    لي صديق دكتور لا يعرف كيف يستبدل مصباح كهربائي ببيته !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    ” نحن نشأنا على سحر كلمة الحب واعتقادنا الخاطئ بمعناها، بل نكاد نفعل كل نواقض الحب ونسميها حبا كالغيرة والتملٌك ” إهـ
    الحب الحقيقي يا أستاذة يعني التضحية والتفاني لسعادة الحبيب !
    هناك من الزوجات من تبحثن عن زوجة جديدة لزوجها !! ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول الضاحك:

      (هناك من الزوجات من تبحثن عن زوجة جديدة للزوج)….
      هههههههههههههههههه وكأن الزوج لا يعتريه القِدَم أبدا

  4. يقول الكروي داود النرويج:

    ” سلمى لم تكن قوية كما تعتقدين والدليل تعلقها الشديد بزوجها وانهيارها شبه التام بعد أن علمت بزواجه ! ” إهـ
    دليل على أن سلمى كانت بعالم آخر خيالي , وليس عالماً معايشاً واقعي !
    إهمال الزوج لأجل الكماليات يؤدي لبحث الزوج عن الأساسيات !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  5. يقول أفانين كبة - كندا:

    سرد جميل لكنه ليس ببعيد عن واقع الحياة . رجل أعمال ناجح وثري ، يعيش حياة مزدوجة موزعة فيما بين بيتين وزوجتين تحملا نفس الأسم ، فهو أما عنده إزدواجية في شخصيته ، أو أنه بارعٌ في التمثيل والتلاعب بعواطف الزوجتين واستغلال ثقتهما به ، فهذا هو سلوك فردي من الزوج وليس له علاقة بالدين ، لأن الدين خُلق ويؤكد على الصدق في التعامل مع الزوجة وعدم إيذاءها . فبالرغم من ان الصدمة وقعت عليهما معاً وبنفس القوة ، لكنها أفضل بكثير من أن يبقوا مخدوعين به لسنوات عديدة أخرى .
    تحياتي للأخت منى مقراني ونأمل منها المزيد من هذا العطاء الإنساني.

  6. يقول عمرو - سلطنة عمان:

    سرد ساحر وجميل وعودة ميمونة أختنا الغالية منى..
    كم هي معقدة النفس البشرية..
    رغم كل الوجع أريد أن أقول لسلمى أن الحياة ليست رجلا..

    في حديث مع الكاتبة السورية كوليت خوري عن علاقتها بالشاعر نزار قباني قالت: أحببته وأحبني وكنا على حافة الزواج ولكن لم يحدث كنت أعتقد أنني أنا “المرأة” في الحياة و”نزار” كان يتباهى أنه شاعر “النساء” ولم
    يعجبني ذلك فقررت السفر حتى يشعر أنني أنا “المرأة”».
    وتضيف: «عندما تركته وسافرت أحبني في تلك الفترة أكثر، لكن كان يجب أن أعود واكتشفت في سفري أن الحياة جميلة وواسعة وفيها غير نزار”.

  7. يقول بولنوار قويدر-الجزائر-:

    السلام عليكم
    تحية طيبة مباركة لكم جميعا قرّاء ومعلقين وطاقم الجريدة ولأختنا “منى”
    وأيّ صدفة؟؟؟
    فعلا وأيّ صدفة أن تعود إلينا أختنا “منى” بعد غياب طويل ونتمنى أن يكون الغياب كله خير ,,ويالها من صدفة وأنا يوم السبت في “خان بنت السمان” قد بلغتك تحياتي وسألت عنك وعن غيابك أنت ومجموعة من الأصدقاء التي جمعت بيننا جريدتنا الغرّاء عبر صفحاتها الغرّاء المشرقة,,,الحمد لله على السلامة وعلى عودتك لنا بروائعك الرائعة …فقد وجدت في رائعتك هذه جمال الكلمة وطيب العبارة وجميل المعنى وعلاج لما في بعض الصدور,,,بارك الله فيك وفي قلمك وزادك الله تألقا ونجاحا…وكم يفرحني أن تقولي لي :أنا استاذة معيدة بالجامعة “لأنّ هذا ما تمنيته لك يم تحصلت على شهادة “الليسانس” ذات يوم من زمن ليس بالطويل …على كل حال اينما أنت نتمنى لك النجاح والتوفيق ونسأل الله أن يعودوا الغائبين عن ساحة جريدتنا الغراء ليجتمع الشمل من جديد
    ولله في خلقه شؤون
    وسبحان اله

  8. يقول سوري:

    عودة ميمونة ست منى

  9. يقول الكروي داود النرويج:

    إختلط علي الأمر يا أستاذة منى !
    هل أنتِ زميلتنا منى التي نعرفها , أم منى أُخرى جديدة ؟
    لأن الصورة بهذا المقال غير الصورة في المقالات السابقة !! ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية