الحداثة الغربية ووهم نهاية التاريخ

مثلت نهاية الحرب الباردة بداية لغياب التعدد القطبي على الصعيد الدولي، ما أحدث نقلة نوعية وخللاً في ميزان القوى العالمي لصالح الغرب؛ والغرب هنا ليس مقصودًا به مجموعة دول لها ثقلها في الميزان الدولي، وإنما تلك الأيديولوجية القائمة على التوجه الليبرالي في الاقتصاد والسياسة؛ إذ لم يعد ميزان القوى مقتصرًا فقط على القوى العسكرية، وإنما على السياسات والتوجهات التي تحرك تلك القوى.
لقد انهار الاتحاد السوفييتي ونظامه الشيوعي في أوروبا الشرقية، وبدا أن العالم يسير نحو إرساء نظام جديد يقوم على فرض الأيديولوجية الغربية عن طريق مؤسسات عابرة للقارات تحتكر الاقتصاد العالمي بدون منازع، وبالتالي تتم السيطرة على القرار السياسي وتوجيهه بما يتوافق مع مصالح القوى المهيمنة؛ لتتحول بذلك السيطرة العسكرية المباشرة إلى هيمنة اقتصادية وسياسية عن طريق مؤسسات وأفراد. وفي ظل هذه المتغيرات بدأت تخرج علينا نظريات لاقت صدىً واسعًا، بقصد التمهيد للحقبة الجديدة، أو ما يسمى «النظام العالمي الجديد»، أو بالأحرى فرض سيادة الغرب، والتبعية على سائر الأمم.
لم يتأت فرض التبعية هذه المرة بتصدر القوة العسكرية للمشهد، فقد كشفت تجارب التاريخ ما آلت إليه إمبراطورياته العسكرية، وإنما عن طريق سلب العقل الجمعي للأمم بإشاعة أفكار يقينية عن وصول التجربة التاريخية إلى ذروتها مع ركب الحضارة الغربية، وأن على الأمم كافة السير في هذا الركب لتحقيق الوئام العالمي؛ فإذا كان ولابد تدخل القوى الغربية عسكريًّا لتحقيق مصالحها في بقاع شتى، كان ذلك بذريعة الدفاع عن الأيديولوجية الأسمى، الليبرالية والديمقراطية الغربية، وكأنه دين عالمي جديد يرعاه الغرب، ولا يمكن لأحد مخالفة تعاليمه، تذهب مغانمه لمن يرعاه ومغارمه على رعاياه.

رؤية العقل الغربي النرجسية في التعامل مع الآخر تصور له أن عجلة التاريخ تدور وتتوقف تبعًا لحركته

في ذلك التوقيت، وعلى هذا الأساس، جاءت أطروحات أحد منظري السياسة الأمريكية، فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ»، متزامنة تقريبًا مع ما طرحه هنتنغتون عن «صدام الحضارات»، فلم يكن كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، الذي نُشر أوائل تسعينيات القرن الماضي سوى إعلان لانتصار وسيادة الأيديولوجية الغربية على ما دونها، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وأن هذا الانتصار ما هو إلا تعبير أخير عن الشكل النهائي الذي وصل إليه الفكر الإنساني، بعد بحث وتجارب تراكمت على مرّ الدهور وتوالي الأمم، ليصل إلى الذروة الحضارية التي تمثل المرحلة الأخيرة للتجربة الإنسانية، وأرقى نهج يمكن أن يسلكه الإنسان على سطح هذه البسيطة. يقول فوكوياما «لقد توصلنا إلى نهاية الطريق في تطور أيديولوجيات الإنسانية، فنمط الديمقراطية الليبرالية الغربية يمثل الشكل النهائي لنظام الحكم»؛ ويقول: «إن كنا اليوم قد بلغنا مرحلة لا نستطيع معها ان نتخيل عالمًا شديد الاختلاف عن عالمنا، أو نهجا ظاهرا وواضحا يصبح به المستقبل أفضل بكثير مما نحن عليه الآن، فعلينا كذلك ان نأخذ في الاعتبار احتمال أن يكون التاريخ قد بلغ نهايته». في خضم هذا التنظير اعْتَبَر أن كافة الأنظمة الأخرى القائمة على القبلية والعرقية، أو المعتقد الديني ما هي إلا أنظمة بالية تنتمي للتاريخ لا يمكن قبولها في عالمنا المعاصر، بل من الواجب حلها ليحل محلها النظام الغربي؛ فلا نظام أو أيديولوجية بديلة يمكنهما أن يقدما جديدا أو يجذبا البشر لسلوك نهجيهما. لكنه يعود فيستثني «الإسلام» الذي يراه التحدي الفكري الوحيد للنظام الليبرالي، زاعمًا أنه يشكل تهديدًا خطيرًا للممارسات التحررية في النظام العالمي الجديد.
ليس هذا معناه الإقرار بالإسلام كمنظومة شاملة يمكن أن تكون بديلة عن المنظومة الغربية، وإنما على العكس فهو لا يرى فيه سوى خطر يجب مجابهته. فهل بالفعل يُشكل الإسلام هذا الخطر على الممارسات التحررية، كما يدعي، أم أن خطره يكمن في بنيته المتفوقة في الدعاوى والممارسات على النظام الغربي، الذي شَكَّلَت ممارساته المتناقضة مع دعواته للمساواة والتحرر حاجزًا بينه وبين الشعوب، بعد أن صار جليًّا لها أن دعواته ما هي إلا محض شعارات تستتر وراءها الأطماع والمصالح؟
إن مرحلة التشبع التاريخي الذي يرى فوكوياما أن العالم قد وصل إليها فقط، لأن الغرب بلغ مرحلة معينة من التطور جعلته يتسيد الساحة حاليًا، تعود بنا لفكرة مركزية الغرب، التي طالما ظهرت لدى مفكريه منذ العصور الوسطى؛ فأوروبا دائمًا لا ترى نفسها سوى محور الكون ومهد للتحولات الفكرية والدينية والسياسية، وما دونها دائر في فلكها ليس إلا، حتى لو فاقتها حضارة أخرى انبثقت ونضجت بمنأىً عن كنفها، كالحضارة الإسلامية، التي لم يجد فيها أوروبي ذلك العصر سوى أيديولوجية معادية تهدد كيانه، فلم يدخر وسعًا لإقصائها واجتثاثها، لتظل له السيادة ولو كان فاقدًا لمقوماتها، أي أن الفكرة ليست بالجديدة على العقل الغربي، فهو مهيأ تاريخيًّا لتقبلها، ورؤيته النرجسية في التعامل مع الآخر تصور له دائمًا أن عجلة التاريخ تدور وتتوقف تبعًا لحركته.
هذا ما جعل هيغل، على سبيل المثال، يرى مع منقلب القرن الثامن عشر أن الثورتين الفرنسية والأمريكية، بما قامتا عليه من المساواة بين البشر، قد مثلتا غاية التاريخ، أو بالأحرى منتهاه؛ غاضًّا الطرف، هو ومن يَنظر بمنظوره من رواد الحداثة الأوروبية وما يُسمى بعصر التنوير، عن التمييز العنصري وحروب الإبادة والاستعباد والهيمنة العسكرية والثقافية التي شنها الغرب على العالم من جهاته الأربع، مع مستهل نهضته في القرن الخامس عشر، وطوال قرون العصر الحديث، حتى إذا جاء القرن التاسع عشر كانت مقدرات هذا العالم سليبة مع موارده البشرية والاقتصادية للإمبريالية الغربية، التي لم تتورع عن اتخاذ كافة السبل للحفاظ على ما سخرته لخدمتها، حتى لو كان الثمن هو حرق العالم في حربين عظيمتين لم تشهد البشرية لهما مثيلاً، لنصل في النهاية إلى ما يسميه فوكوياما وغيره منتهى الحضارة الإنسانية.
كاتب وباحث مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية