يقال بأن الحياة تمنح الإنسان فرصة واحدة في عمره، لذا يجب عليه أن يغتنمها قبل أن تفوته، حتى لا يضرب الأسداس على الأخماس حسرة وندماً عليها؛ التاريخ هو الآخر يمنح أي شعب فرصاً، على الرغم من تباعدها زمنياً؛ في هذه الحال فإن التاريخ ليس بخيلا كما الحياة، فدوراته تمنعه أن يظلم الأجيال الجديدة بأخطاء السابقين، فيغدق عليهم باختبارات أخرى، من أجل تصحيح الأخطاء وتصويب المسار، لعلها تظفر بالنجاح، فتنطلق في سلم التقدم والرقي.
هناك شهادات كثيرة عن أحداث 5 أكتوبر 1988، باعتبارها ربيعاً جزائرياً جميلا، صنعه شباب في عمر الزهور، للولوج إلى عالم الحرية والحق والقانون، أحداث كانت سبباً في انتقال الجزائر من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددي، ربما لم يتحقق ما كان منشوداً، فقد كانت الآمال كبيرة والتطلعات عظيمة، إلا أن النظام كان أذكى من شباب طيب وساذج، أخذته الحماسة إلى المطالبة بما هو مستحيل، لذلك غيّر النظام جلده في الأخير، وبقيت ممارساته هي هي، لم تتحقق، والحال هذه، وعود الخامس من أكتوبر في التغيير، فالتعددية كانت، في الحقيقة، شكلية من الأحزاب إلى الإعلام إلى الجمعيات إلى المجتمع المدني. الخامس من أكتوبر كان حلماً واعداً، لكنه سُرق لسوء الحظ، فعادت الجزائر كما كانت، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، وعاد الشعب إلى أقفاصه من جديد. بعد أكثر من ثلاثين سنة يمنح التاريخ لهذا الشعب فرصة أخرى، من أجل أن يصلح ما أفسدته يد النظام الفاسد، نستطيع أن نقسم هذه الفترة إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: هي مرحلة توقيف المسار الديمقراطي بعدما حقق حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً كاسحاً، ما أدى، والحال هذه، إلى إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، والدخول في مرحلة انتقالية، لتدخل الجزائر في حرب عنيفة، أهلكت الحرث والنسل، حرب أهلية ليس فيها رابح، لأن الخاسر هو الجزائر وشعبها. بعد سنوات أدركت السلطة أن الاستمرار في هذه الوضع هو انتحار، فدخلت في حوار مع الجماعات المسلحة، تكلل في البداية بعقد هدنة ثم بتأسيس ميثاق المصالحة الوطنية (الوئام الوطني)، لتُدشن الجزائر مرحلة الأمن والاستقرار.
استثمرت السلطة في كل شيء من أجل إفشال الوقفات الاحتجاجية من الإعلام إلى المسجد إلى الذباب الإلكتروني
المرحلة الثانية: إذا كانت المرحلة السابقة هي مرحلة الدم والأحزان، فإن هذه المرحلة هي مرحلة الفساد، فبعد تنازل اليامين زرول عن الحكم، واعتلاء عبد العزيز بوتفليقة سدته في أبريل 1999، تبدلت صورة الجزائر، وتغير الجزائريون.
لقد رأى الناس البسطاء في مجيء بوتفليقة أنه عودة إلى زمن هواري بومدين الجميل، زمن العزف على القومية والعداء لفرنسا والغرب، صورة بومدين المقترنة بهذا الشخص لم تفارق المواطن البسيط، للأسف لم يدرك، بأن لكل عصر خصوصيته، فالعالم تغير، والتفكير تغير، وحتى بوتفليقة ليس بومدين.
عمل بوتفليقة خلال فترته على تشكيل نظام قائم على القرابة والولاء المطلق، أدخل إلى قاموس العلاقة بينه وبين مريديه كلمات التمجيد والتقديس، فأظهر أتباعه ولاء مطلقاً وتقديساً لم نعهده من قبل، عطّل عمل المؤسسات وابتذلت السياسية، فكّك الأحزاب وداس على الدستور، وضع كل الصلاحيات في يده، فهو من يشرّع وينفذ، هو من يأمر فيطاع ومن يرفض فيطاع، في عهده ارتفع سعر النفط، فدرّ على الخزينة أموالا طائلة، أكثر من ألف مليار دولار، كانت هذه المداخيل فرصة لتبني الجزائر من جديد قاعدة زراعية وصناعية وصحية وتعليمية، لكن للأسف، صرفت تلك الأموال، بل قل نهبت وبذرت من أجل بناء مجد سيضيع يوما، كيف لدولة تكون مداخيلها أكثر من ألف مليار دولار تتسول هذه الأيام على أبواب صندوق النقد الدولي والصين؟ كيف لدولة تكون مداخيلها أكثر من ألف مليار دولار بعد سنوات قليلة تصبح مفلسة؟ يقال حكمة رئيس وخبرة مجرب.
نهب، رشوة، سرقة، فساد هي مميزات سنوات بوتفليقة العشرين، ما زاد الطين بلة هو مرضه منذ 2013، مرض أدخل البلاد في حالة من الفوضى واللااستقرار، الكل كان ينتظر ذهابه إلى بيته كما وعد في خطابه الشهير في سطيف في مايو 2012 عندما قال: «طاب جناني (انتهى زمني)، وعاش من عرف قدره»، إلا أنه في 2014 ترشح وفاز في انتخابات، أقل ما يقال عنها، إنها خدعة سكت عنها الشعب، وصبر على إذلال مريديه، ليس خوفاً على نفسه بل على وطنه. إن هذه الفترة لم يخاطب الرئيس شعبه، ولو مرة واحدة، ولم يظهر إلا بعد أن يقوى اللغط حول صحته، كان الشعب ينتظر من هؤلاء أن ينهوا مسرحيتهم البائسة، بإفساح المجال أمام شخصيات أخرى، لإنقاذ البلد من الهاوية التي يسير إليها بخطى حثيثة، ليتفاجأ في الأخير، بترشحه إلى عهدة خامسة بدون مراعاة لمشاعر الشعب ولا احترام لأحاسيسه.
لقد شكل إعلان العهدة الخامسة، وما صاحبه من احتقار للجزائريين، واستخفاف بكرامتهم، بالنسبة إلى الشعب صدمة كبيرة، تجلّت في البداية في شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال منشورات رافضة لهذه العهدة، صاحب ذلك دعوات إلى مسيرات في 22 من فبراير، بذلك انتقل الرفض من الميدان الافتراضي إلى الميدان الواقعي، في الحقيقة سخرت السلطات من هذه الدعوات، واعتبرتها مجرد صيحات في الفيسبوك لا تقدم ولا تؤخر شيئاً، باعتبار «أن الشارع متحكم فيه» كما قال السيد أحمد أويحيى. لقد استثمرت السلطة في كل شيء من أجل إفشال تلك الوقفات الاحتجاجية من الإعلام إلى المسجد إلى الذباب الإلكتروني، مستغلة شعار الأمن والاستقرار الهش أصلا، باثةً الخوف في نفوس الجزائريين من مصير شبيه بالوضع السوري أو الليبي. لكن في 22 فبراير جاء الخبر اليقين، مسيرات عبر ولايات التراب الوطني، وإن صدمت السلطة، فقد أدهشت العالم بسلميتها وتحضرها، لتدخل السلطة في حيرة وارتباك، أدى هذا الحراك الشعبي في البداية إلى اختزال الخامسة إلى عام فقط، بعدها يدعو بوتفليقة إلى انتخابات أخرى لن يشارك هو فيها، لعبة لم تنطل على الجماهير، فقد عرفت هذا الشخص وخبرته في العديد من المواقف، ثم دعا إلى إلغاء العهدة الخامسة وتمديد الرابعة بتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد عقد الندوة الوطنية، إلا أن الحراك بقي على عهده الأول لا للتمديد لا للتأجيل، عليكم أن ترحلوا.
كاتب جزائري