السوسيال: هاجس العائلات العربية في السويد

تعد السويد بلداً من بلاد الرفاه، التي يحظى فيها اللاجئون والمهاجرون بمعاملة جيدة، حتى مقارنة مع دول أوروبا الأخرى، وهي من البلاد التي يكون فيها تشبيك المهاجرين في الخدمات الأساسية كالسكن الملائم والتأمين الصحي أسرع من غيرها.
يعلم هذا اللاجئون الذين يقارنون أوضاعهم بأوضاع آخرين في دول أخرى، فالمعلوم أن الدول الأوروبية تتفاوت في الدعم المادي المقدم، كما تتفاوت في طريقة تقديمها للخدمات الاجتماعية، بين التي تكتفي بمنحك بطاقة إقامة وتصريح عمل، يسمحان لك بكسب الرزق، ودول أخرى تتابع الإنفاق عليك حتى تحظى بوظيفة، أو عمل مناسب وإن استغرق الأمر سنوات، وهي تلك المستهدفة من جموع القادمين. يفسر هذا فرار اللاجئين من دول مثل اليونان وإيطاليا واستماتتهم من أجل الوصل لدول أخرى أغنى.
خلال الأسابيع الماضية طفا على السطح ما عرف بأزمة “السوسيال”، والكلمة اختصار لنظام الخدمات الاجتماعية المرتبطة بالعائلة. جوهر الأزمة يختزلها وسم “أوقفوا خطف أطفالنا” الذي يشير إلى أن السلطات السويدية، قامت بسحب آلاف الأطفال من عائلاتهم خلال الفترة الماضية، بحجة أن أهلهم لا يرعونهم بشكل جيد وهو ما يستوجب، وفق منطق هذه السلطات، حرمانهم منهم ومنحهم لعائلات بديلة. أعاد ذلك إلى الواجهة النقاش حول المفهوم السويدي الخاص بحماية الأطفال، الذي قد لا يتفق كثير من الأهالي معه. مسألة “سحب” الأطفال موجودة في كثير من الدول الغربية، فالأطفال الذين يتعرضون لمعاملة قاسية، أو التي يكون فيها وجودهم مع أهلهم خطراً عليهم، يتم إبعادهم عن أولئك الأهل، الذين يكونون في الغالب، منحرفين سلوكياً أو مدمني مخدرات، أو غير مستقرين نفسيا. الجديد بالنسبة للمهاجرين، خاصة العائلات العربية والمسلمة في السويد، هو أن مراكز “السوسيال” ومنذ بداية هذا القرن توسعت في هذا الأمر، وبدا وكأنها تتحايل من أجل تفريق الأطفال عن أسرهم، من دون مسوغات، فيكفي أن تنهر طفلك أو أن يبكي بسببك، أو أن تتأخر عن موعد طبيبه، أو أن يشتكي جارك الذي يرى أنك لا تعامل طفلك بشكل جيد، حتى تستحق أن يسحب منك بذريعة عدم الكفاءة، وهو ما حدث مع عائلات شهاداتهم مبذولة على الإنترنت، بل إن الأمر تعدى ذلك، فبحسب شهادة لإحدى المشاركات في تظاهرة الأسبوع الماضي، كان سبب السحب هو، أن طفلتها المراهقة كانت تتبنى موقفاً رافضاً لممارسة الجنس قبل الزواج، وبحسب منطق الخبراء التربويين السويديين يعد هذا من التربية الخاطئة، التي تعزز مفاهيم رجعية كالشرف والعذرية وتسمح للأهل بالتدخل في ما يجب أن لا يتدخلوا فيه.

يوجد الكثير من المنظمات الحقوقية والدراسات الأوروبية التي تقر بوجود أخطاء قد تنتج عن سوء تقدير، أو بسبب التعمد أو الفساد

تبدو هذه القصص مبالغا فيها، وبالفعل تبرع مجموعة من المبهورين بالأنظمة الاجتماعية الأوروبية للدفاع عن “السوسيال”، وتبني وجهة نظر تبريرية ومشككة، لكن للأسف فإن هذه الروايات ليست من وحي الخيال، واليوم يوجد الكثير من المنظمات الحقوقية والدراسات الأوروبية التي تقر بوجود أخطاء قد تنتج عن سوء تقدير، أو بسبب التعمد أو الفساد، وقد كتب عدد من العاملين في “السوسيال” نفسه موجهين نقداً لاذعاً لهذا النظام. آخر ما اطلعت عليه كان على موقع “أكتر” العربي السويدي، الداعم للسياسات الحكومية، حيث قام بعقد لقاء ضم متخصصين للنقاش حول الموضوع، إلا أنهم لم يستطيعوا نفي وجود تجاوزات. في ذلك اللقاء وفي إجابة عن سؤال حول تعارض الممارسات السويدية مع مواثيق الأمم المتحدة لحماية الطفل، أجاب الخبراء قائلين، إن هذه المواثيق الأممية هي لوائح عامة يمكن تفسيرها وفق ما ترى كل دولة، وإن الأهم هو مصلحة الطفل وليس الأب أو الأم. هذه الإجابة تفسر كل شيء، فبالنسبة لدول الشمال يمكن تفسير أي معاهدة، ووضع أي قانون بما يخدم مصلحة واضعيه، وليس من حق أي أحد أن يجادل. بشكل يفتقر إلى المنطق يمكنك أن تستمع لمنظري ما تسمى “الحماية القسرية للطفل” وهم يخبرونك أن الأطفال المعزولين عن والديهم، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في بيئة غريبة هم أسعد بكثير الآن، وأن هذا يصب في مصلحتهم، وأن من هذه المصلحة ألا يروا أهاليهم مرة أخرى. هنا لا يتحدث أحد عن حق الطفل بالاحتفاظ بثقافته ودينه وهو حق منصوص عليه في المواثيق الدولية، كما لا يتحدث أحد عن النتائج الكارثية الواضحة لهذه السياسة خلال العقدين الماضيين.
النقاش حول “السوسيال” لم يعد نقاشاً اجتماعياً محضاً، بل أصبح سياسياً كذلك، وفي الوقت الذي تعمل فيه المنظمات العربية والإسلامية، التي ترى أن أبناء جالياتها مستهدفين أكثر من غيرهم، على تنظيم وقفات احتجاجية تهدف لمراجعة هذا القانون ووقف ما يعتبرونه “اختطافاً” للأطفال، نكتشف أن هذا النظام، بشكله الإشكالي الحالي، يحظى بتأييد أشخاص مثل السياسي المتطرف راسموسن بالودان، وهو سويدي دنماركي من حزب “سترات كورس” اليميني. هذا الحزب كان قد قام بتنظيم فعالية لحرق المصحف الشريف في أغسطس/ آب من عام 2020. بالودان تسبب بشكل شخصي في عدد من الأزمات، بسبب كراهيته التي لا يخفيها للمهاجرين والإسلام، حيث دعا في تصريحات علنية لإبادة المسلمين، معتبراً أن الخير هو أن لا يبقى مسلم واحد على وجه الأرض. يعزز دعم متطرفين مثل بالودان لقوانين سحب الأطفال، من وجهة النظر التي تقول إن هذه القوانين أعدتها وتقوم بتنفيذها مجموعة من اليمينيين، الذين يرغبون في أن تستفيد بلادهم التي تحتاج لأيدي عاملة وسكان إضافيين من أبناء المهاجرين، لكن بعد قطع صلاتهم بشكل تام عن مجتمعاتهم الأولى وثقافتهم، بحيث يكونون مجرد مواطنين سويديين، يحدث ذلك بالتوازي مع تحركات في دول أوروبية كثيرة، أعلن قادتها قناعتهم بأن هناك مشكلة في الإسلام، ابتداء من ماكرون الذي تحدث عن “أزمة الإسلام” و”الانفصالية الإسلامية” وميركل التي كانت تحدثت عن “فشل الاندماج” وغيرهما. خلاصة هذه القناعات هو أن الرهان على الوقت من أجل دفع المسلمين للقبول بالقيم الغربية فاشل، وأنه حتى الأجيال التي عاشت في الغرب يظل كثير منها مرتبطاً بثقافة أهله أكثر من ارتباطه بالمجتمع الأوروبي. من هنا ولدت التجربة الجديدة وهي قبول الأطفال، لكن بمعزل عن والديهم. من جهة أخرى يهدم دعم المتطرفين وكارهي الأجانب، الذي يتطور لإقامة أنشطة ووقفات تأييد لنظام “السوسيال”، ما تقوم به السلطات السويدية من محاولات لكسب الرأي العام، عبر مواقع وقنوات للعلاقات العامة تركز في خطابها ورسائلها على كون أن الأزمة ناتجة عن سوء فهم كبير وتشويه متعمد من قبل جهات إرهابية أو معادية. أحد هذه الاجتهادات كان برنامجاً على التلفزيون، حمل شهادة إحدى الأمهات التي قالت إن طفلتها لم تسحب منها، رغم أنها ضربتها، حيث اكتفى “السوسيال” بإخضاعها لدورة في القانون السويدي وطرق التربية. كانت الرسالة هي ان مسألة السحب أو الرعاية القسرية للأطفال لا تتم إلا في الحالات المعقدة. بالنسبة لكثير من الحانقين على “السوسيال” فإن مثل هذه الشهادات، إن صحت، فهي لن تكون إلا الشذوذ، الذي يؤكد القاعدة ولا ينفي وجود مشكلة، فمقابل كل شهادة مادحة لبرامج رعاية الأطفال السويدية، يمكن تقديم مئة شهادة تحكي عن “خطف” طفل وحرمانه من أهله لأسباب واهية.

*كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبدالمنعم سلمان:

    البعض من امثلة الاخ الكاتب وتوصيفاته بخصوص هذه الامر غير موضوعية تماما . وهو يردد احيانا ادعاءات ممن يريد ان يعيش ويتصرف ويعامل زوجته واطفاله على هواه دونما احترام للقوانين المرعية. علما بان حالات اسكان الاطفال لدى عوائل بديلة بشكل مؤقت او دائم قليلة جدا وهي مكلفة بشكل خيالي وتشمل حتي عائلات سويدية. وكما ذكر الكاتب قد تعود الاشكالية الى انحراف سلوك الاباء او لانهم من مدمني الكوحول والمخدرات او لمشاكل نفسية مما يؤدي احيانا الى سوء رعاية اطفالهم ومعاملتهم بقسوة جسدية. علما بان الاجراءات الخاصة بسحب الطفل من ابويه قد تسبقها انذارات وتحقيقات كثيرة تستغرق اشهرا طويلة ويتم ذلك بقرار, قابل للنقض والاستئناف, من احدى المحاكم. نعم قد تحدث اخطاءا وقد يحدث تعسفا بتطبيق القوانين المتعلقة بالموضوع الا ان ذلك ليس شائعا كما ورد في النص المنشور…

    1. يقول احمد العربي:

      لا ادري لماذا يحاول الانسان احيانا حجب الشمس بالغربال. أزمة اختطاف الاطفال بالسويد واحدة من أخطر أزمات العصر فهي تعري الوجه القبيح لما يسمى بالديموقراطية الغربية واحترام حقوق الانسان وخاصة الاطفال. السوسيال مؤسسة تحدث بها تجاوزات خطيرة، تقتلع الاطفال من اهاليهم وتجعل منهم مشاريع اجرام ومخدرات وانتحار وتهدم مؤسسة العائلة. يجب ان نقول كفى. اللهم شد على قلوب الأمهات والاباء الذين ضاع منهم ابناءهم وردهم اليهم سالمين يارب. شكرا للاستاذ كاتب المقال على هذا الاصطفاف للحق.

  2. يقول بسام ابو كشرة:

    السويد تدار من قبل حكومة نازية مجرمة ، و نتمنى أن يوسع إلرئيس الروسي بوتين هجومه ليشمل السويد حتى يخلص العالم من هذه الحكومة المجرمة .

  3. يقول Dr Arabi,UK:

    اتركوا السويد إن كانت سيئة لهذه الدرجة ، فهنالك دول الخليج الغنية ترحب بالمهاجرين.

  4. يقول صابر محمود:

    أكثر الذين يدخلون السويد يعلمونا السوسيال يدفع لهم مبالغ كبيرة للأطفال من أجل التربية السليمه ويأخذون هذه الأموال ويدخرونها او يشترون سيارات غاليه وهكذا يمنعو عن أبنائهم الملابس والطعام المفيدة.

  5. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    أظن الكاتب المحترم ينحى للقول بأن الدولة السويدية وقوانينها موجهة خصيصا ضد المسلمين , هذه قوانين اجتماعية تشمل الجميع لاجئين ومقيمين وربما حتى الشجر والحجر . لاأدري مادخل الدين الإسلامي في الموضوع وإعطاء أمثلة بفاشيين غربيين ؟ مامعنى إقحام يميني دنماركي متطرف في حرقه للقرآن بهذا المشكل ؟ هل حقيقة أن للحكومة السويدية أجندات خفية موجهة بالدرجة الأولى ضد المسلمين وأبنائهم ؟ بالطبع لا. إن كان هذا رأي البعض , فهو للأسف خاطيء الألف في المئة.

  6. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    تتمة :
    ياإخوان, أفصلوا بين تطبيق القانون وبين ماتشتهيه عائلات المهاجرين أن يكون أو هكذا تربوا عليه. ليتمنى كل فرد كما يحب لأوضاعه أن تكون, لكن القانون هو الفاصل . مثال أروده الكاتب المحترم: “” كان سبب السحب هو، أن طفلتها المراهقة كانت تتبنى موقفاً رافضاً لممارسة الجنس قبل الزواج، وبحسب منطق الخبراء التربويين السويديين يعد هذا من التربية الخاطئة!!!”
    ياعزيزي , الفصل هنا ليس للخبراء أو غيرهم بل ماذا يقول القانون الذي تسير عليه الدولة , القانون يقول لك : ” قبل سن البلوغ يفرض على الوالدين ضمان العناية والمأكل والمشرب والتعليم والسكن اللائق والمعاملة الحسنة توفيره لأطفالهم , ولهم حق الوصاية عليهم لحين أن يصلوا سن البلوغ وهو اليوم 18 سنة . بعد هذا السن فليس لك الحق أن تفرض عليهم رأيك بالقوة ولا على أي كان , آراء تقدمية أو رجعية , دينية أو إلحادياة و لا أي شيء آخر, ابناؤك و بناتك قد أصبحوا أشخاصا بالغين في عين القانون , لهم شخصيتهم ولهم أفكارهم ولهم أن يعتقدوا بمايريدون , إن فضلوا الكفر على الإيمان فليفعلوا , إن فضلوا التدين فليختاروا أي أدين أرادوه بحرية كاملة تامة . وهي الديمقراطية الحقة برأيي. هكذا هي الصورة الحقيقية , عكس ديكتاتورية الوالدين أو الدولة .

  7. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    تتمة :
    للأسف عائلات مسلمة محافظة تريد الاستمرار في الوضعية القديمة التي ألفتها في بلدها الأصلي وتطبقها في البلد الجديد, لا يا صديقي , هذا مستحيل . هناك قوانين تنظم الحياة. مع ذلك صدرت في وقت سابق تصريحات من أحزاب سياسية بعدم قبول الزواج ضد قاصر والأمثلة كانت مع لاجئين عرب قدموا جراء حرب سوريا , يكون الزوج فيها بالغ والزوجة طفلة, الحكومة فضلت إغماض العينين كي لاتفرق شمل العوائل , مع أن هذه الآفة ضد القانون وتضرب في عمق مشكل حساس. لماذا لايتحدثون عن هذه الميزة ؟ هناك حملة سياسية شعواء ضد دولة السويد لاغبار عليها.

  8. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    خاتمة :
    ياصديقي , فهم المجتمع السويدي ليس بالأمر الهين , يجب العيش والاحتكاك مع مواطنيه لعقود وعقود وعقود كي يتطلع المرء على خباياه . أظن مزج مشكل اجتماعي والإيحاء بارتباطه بالدين خطأ فادح وكبير جدا. الدولة تشجع على الأديان وتقدم منحا للمساجد والمؤسسات الدينية وهي العلمانية الأصيلة, لكن إلزم مكانك , لاتؤثر بالقوة على الناس. الحرية للجميع.

    أخيرا , اليميني الدنماركي المتطرف , جاء مرات عديدة لمدينة ” مالمو ” ومدن جنوبية أخرى وأراد حرق القرآن لم تسمح له الدولة بفعل ذلك و أرغموه على العودة من حيث أتى. أود القول لأي شخص لجأ لدولة غير دولته أن يطلع على قوانين العيش فيها , ماهي حقوقي وماهي واجباتي, التفتح على ثقافة الغير غنى , أنت غير مرغم أن تعيش مثلهم لكن مرغم أن تحترم قوانينهم, لأنها فقط قوانين سنها الشعب وأراد العيش طبقها في مجتمعه .

  9. يقول سليم:

    عندما تعلم طفلك بأن الاخر كافر وبلا أخلاق وتأتي اليه خوفا من المؤمنين الصامدين في الصلاة والصوم فاحذر..

  10. يقول سلام عادل(المانيا):

    احمد العربي هذه القوانين لم توضع بعد مجيء اللاجئين العرب والمسلمين بل موجودة قبلهم والقانون كما يقال لا يحمي المغقلين وضرب طفلك بالعراق تسمى تاذيبا اما في اوربا فالامر مختلف فعندما نكون جزء من المجتمع والدولة علينا احترام القوانين وقبل ذلك معرفتها مع العلم ان اغلب اللاجئين لا يعمل وكل اسباب عيشه الرغيد تاتيه من السوسيال بمعنى اخر ان الاب ليس هو معيل العائلة بل الدولة ممثلة بالسوسيال وبمعنى اخر ليس هناك مقولة ان هذا اباك الذي يعمل طول اليوم لاعالتك بل العكس صحيح ان الاطفال بالمبالغ المخصصة لهم ينعم الاب

اشترك في قائمتنا البريدية