تونس ـ «القدس العربي»: لم تعد موسيقى الجاز في تونس مجرد لون موسيقي يستقطب نخبة محدودة من المستمعين، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة فضاء رحبا للتجريب والبحث الفني، تتقاطع فيه التأثيرات المحلية مع المدارس العالمية، وتلتقي فيه الذاكرة التاريخية بالتقنيات الموسيقية الحديثة. وبينما يواصل عدد من الموسيقيين التونسيين البحث عن هوية خاصة للجاز المحلي، يبرز إسم الفنان هيد، وهو الاسم الفني للموسيقي التونسي هادي المستيري بوصفه أحد الوجوه الجديدة التي اختارت أن تسلك طريقاً مختلفا، يقوم على استلهام الحضارة القرطاجية والعالم البوني أو البونيقي، وصياغتهما بلغة موسيقية تنتمي إلى الجاز الحر.
وقد أثار هيد اهتمام المتابعين بعد إطلاقه مقطوعتين موسيقيتين بعنوان «صلامبو» و«البونيون» أو «البونيقيون»، وهي الشعوب التي كانت تنضوي تحت حضارة قرطاج في غرب المتوسط بضفتيه. وهما عملان يكشفان من عنوانيهما عن مشروع فني يتجاوز الترفيه الموسيقي ليقترب من التأمل التاريخي وإعادة قراءة الماضي عبر لغة النغم والإيقاع.
رحلة بحث عن هوية
عرفت تونس موسيقى الجاز منذ عقود، غير أن حضورها ظل لفترة طويلة مرتبطاً بالعروض الأجنبية التي كانت تستضيفها بعض المهرجانات الدولية، وعلى رأسها مهرجان مدينة طبرقة الذي تحول منذ سبعينات القرن الماضي إلى محطة مهمة لعشاق هذا اللون الموسيقي. لكن مع مرور الوقت، لم يعد الموسيقي التونسي مجرد مستمع أو مؤد لأعمال مستوردة، بل بدأ في إنتاج مشروعه الخاص، مستفيدا من ثراء الموروث الموسيقي المحلي، سواء في المالوف أو الموسيقى الصوفية أو الإيقاعات الشعبية القادمة من الجنوب والوسط والساحل.
ومن هذا التفاعل ولدت تجارب عديدة حاولت أن تمنح الجاز التونسي شخصية مستقلة. فظهرت أعمال تمزج بين المقامات العربية والارتجال الغربي، وأخرى استحضرت الآلات التقليدية داخل التوزيع الموسيقي الحديث، بينما ذهب بعض الفنانين إلى توظيف الشعر والتاريخ والأسطورة في أعمالهم.
وينتمي مشروع هيد إلى مدرسة الجاز الحر «Free Jazz»، وهي واحدة من أكثر مدارس الجاز جرأة منذ ظهورها في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن الماضي. ويتميز هذا اللون الموسيقي بتحرير العازفين من القيود التقليدية المتعلقة بالإيقاع والهارموني وبنية المقطوعة، فيصبح الارتجال هو العنصر الأساسي الذي يقود العمل الموسيقي.
ولا تعني الحرية في فن الجاز الفوضى أو غياب البناء الفني، بل على العكس من ذلك تماما، إذ يتطلب الجاز الحر قدرة كبيرة على الإصغاء بين الموسيقيين، وإتقانا عاليا للآلة، حتى تتحول الحرية إلى لغة موسيقية متماسكة قادرة على نقل المشاعر والأفكار. ولهذا السبب ظل الجاز الحر فنا موجها بالأساس إلى جمهور يبحث عن التجربة الموسيقية العميقة أكثر من بحثه عن الألحان السهلة أو الإيقاعات الراقصة.
قرطاج الملهمة
إن ما يميز تجربة هيد ليس فقط اختياره لهذا اللون الموسيقي الصعب، وإنما المرجعية الفكرية التي يبني عليها أعماله. فبدلا من الاستلهام من الحاضر، عاد الفنان إلى واحدة من أكثر المراحل إشراقاً في تاريخ تونس، وهي الحضارة القرطاجية، التي ما تزال إلى اليوم تمثل أحد أهم عناصر الهوية التاريخية للبلاد.
وتكشف عناوين أعمال هيد عن هذا التوجه بوضوح، فـ»صلامبو» ليست مجرد كلمة ذات وقع موسيقي جميل، وإنما هي إسم الشخصية التي ابتكرها الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير في روايته الشهيرة التي حملت الاسم نفسه، وجعل أحداثها تدور في قرطاج التونسية عقب حرب المرتزقة التي أعقبت الحرب البونيقية الأولى في أزمنة ما قبل ميلاد المسيح. ورغم أن صلامبو شخصية أدبية متخيلة، فإنها أصبحت مع مرور الزمن رمزا عالميا لقرطاج، وألهمت الرسامين والنحاتين والموسيقيين وصناع الأوبرا والسينما.
أما العمل الثاني، «البونيقيون»، فيذهب مباشرة إلى أصل الحكاية. فيستحضر الشعب الذي أسس قرطاج وبنى واحدة من أعظم الحضارات البحرية في البحر الأبيض المتوسط.
ولا يقدم هيد التاريخ في صورة محاضرة أكاديمية أو بطريقة تستعرض الأحداث، بل يحوله إلى إحساس موسيقي. فالإيقاعات، ومساحات الصمت، وتصاعد النغمات، وحضور الارتجال، كلها عناصر تفتح أمام المستمع مجالا لتخيل المدن القديمة، والأساطيل البحرية، والأسواق، والمعابد المنتمية إلى حضارة قرطاج والمطلة على المتوسط.
إنها موسيقى لا تروي التاريخ، بل تدعو إلى الشعور به، وهي مقاربة تمنح العمل بعدا فلسفيا. فيصبح الماضي مع هيد مادة للإبداع وليس مجرد موضوع للحنين إلى الحضارة القرطاجية الغابرة.
بين سويسرا وتونس
يقيم هيد في سويسرا التي عبر جبالها الثلجية قبل آلاف السنين جده حنبعل قرطاج بجنوده وفيلته وخيوله راغبا في غزو روما قادما من الأراضي الإيبيرية الإسبانية. لكن الفنان المبدع لا يبدو منفصلا عن جذوره التونسية لأن اختياره للحضارة القرطاجية يؤكد أن المسافة الجغرافية لم تمنعه من مواصلة الحوار مع تاريخ بلاده وثقافتها.
وهذه الظاهرة ليست جديدة، إذ كثيرا ما أسهم الفنانون التونسيون المقيمون بالخارج في تقديم قراءات مختلفة للهوية الوطنية، مستفيدين من احتكاكهم بمدارس فنية متنوعة، ومن فضاءات ثقافية أكثر انفتاحا على التجريب. ويبدو أن هيد ينتمي إلى هذا الجيل الذي لا يرى في الهوية قيدا، وإنما مصدر إلهام يسمح بإنتاج فن قادر على مخاطبة الجمهور العالمي من دون أن يفقد خصوصيته المحلية.
ولعل هذا ما يمنح مشروعه فرادته، فهو لا يقلد مدارس الجاز الغربية، ولا يكتفي بإدخال بعض الإيقاعات الشرقية على الموسيقى الحديثة، بل يحاول بناء عالم فني كامل يستمد مفاهيمه من تاريخ قرطاج، ويترجمها بلغة موسيقية معاصرة.
وإذا كان مشروع هيد يلفت الانتباه بمرجعياته التاريخية، فإنه يكتسب أهميته أيضا من السياق الذي ظهر فيه. فموسيقى الجاز في تونس تعيش اليوم مرحلة جديدة تختلف كثيرا عما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة. فقد أصبح عدد الموسيقيين المهتمين بهذا اللون الفني في تزايد، كما ظهرت استوديوهات إنتاج مستقلة ومنصات رقمية أتاحت للفنانين نشر أعمالهم بدون المرور عبر شركات الإنتاج التقليدية.
ولم يعد الجاز التونسي حكرا على العاصمة، بل أصبحت مهرجانات عدة تمنحه فضاءات للتعبير والانتشار، وفي مقدمتها مهرجان طبرقة الدولي للجاز الذي حافظ، رغم الصعوبات التي مر بها، على مكانته باعتباره أحد أبرز المواعيد الموسيقية في المنطقة المغاربية. فمنذ انطلاقه، لم يكتف باستضافة كبار عازفي الجاز العالميين، بل فتح أبوابه أيضا أمام التجارب التونسية الشابة، بما سمح بتبادل الخبرات وخلق جسور بين الموسيقيين المحليين ونظرائهم من مختلف أنحاء العالم.
وفي هذا المناخ، برزت أسماء عديدة اختارت أن تخوض مغامرة التجديد، من بينها عمر الواعر ومالك لخوة وحمزة الزرمديني وحبيب الصمندي، وهم موسيقيون يجمع بينهم الإيمان بأن الجاز ليس قالباً مغلقاً، بل فضاء مفتوح للحوار مع مختلف الثقافات الموسيقية. ويأتي هيد ليضيف إلى هذه الرؤية بعدا آخر، يتمثل في استحضار التاريخ بوصفه مادة للإبداع الموسيقي.
الموسيقى هوية ثقافية
ليس من قبيل المصادفة أن يختار هيد قرطاج تحديدا موضوعا لأول أعماله وهي الحضارة والدولة الأكثر استمرارا في الزمن من بين جميع الحضارات والدول التي عرفتها البلاد التونسية. فالحضارة القرطاجية لا تزال تمثل أحد أهم روافد الهوية التاريخية لتونس، وقد ألهمت عبر العقود عددا كبيرا من الأدباء والرسامين والمسرحيين والسينمائيين. إلا أن حضورها في الموسيقى ظل محدودا نسبيا، وغالباً ما اقتصر على الأعمال الأوركسترالية أو الأغاني ذات الطابع الملحمي.
أما في تجربة هيد، فإن قرطاج لا تحضر من خلال الكلمات، بل عبر الصوت ذاته. فالمستمع لا يجد نفسه أمام قصة تُروى، وإنما أمام فضاء سمعي يتيح له أن يبني صوره الخاصة عن مدينة قرطاج القديمة والمدن التي خضعت لنفوذها في غرب المتوسط بضفتيه وفي المحيط الأطلسي، وعن سفنها، وموانئها، وأسواقها، وصراعاتها مع القوى المتوسطية الكبرى الأخرى وتحديدا الإغريق والرومان. وهنا تكمن فرادة المشروع الذي حول الموسيقى إلى وسيلة لإحياء الذاكرة الجماعية دون اللجوء إلى الخطاب المباشر أو التوثيق التاريخي.
وتكشف تجربة هيد عن جانب مهم في الفن المعاصر، يتمثل في أن الإبداع الحقيقي لا يقوم على تكرار النماذج السائدة، بل على البحث الدائم عن لغة جديدة. فالفنان لا يسعى إلى إرضاء السوق الموسيقية أو ملاحقة الأغاني الأكثر انتشارا، وإنما يراهن على بناء مشروع فني طويل النفس، يقوم على التجريب، ويمنح المستمع فرصة لاكتشاف أبعاد جديدة للموسيقى. وهذا النوع من المشاريع يحتاج بطبيعته إلى جمهور مستعد للإنصات والتأمل، وإلى مؤسسات ثقافية قادرة على احتضان التجارب التي قد لا تحقق انتشارا جماهيرياً سريعا، لكنها تضيف قيمة حقيقية للمشهد الثقافي.
وتكشف التجارب الجديدة في تونس أن الجاز لم يعد مجرد موسيقى مستوردة، بل أصبح لغة يعيد الفنانون التونسيون تشكيلها وفق خصوصياتهم الثقافية. فالبعض يستلهم الإيقاعات الصوفية، وآخرون يستحضرون المالوف والموسيقى الأفريقية، بينما اختار هيد أن يعود إلى الحضارة القرطاجية، في تجربة تؤكد أن التاريخ يمكن أن يكون مصدرا للإبداع وليس فقط موضوعا للدراسة. ومع تزايد حضور الفنانين التونسيين على المنصات الرقمية، وتنامي الاهتمام الدولي بالموسيقى القادمة من جنوب المتوسط، تبدو الفرصة مواتية أمام هذا الجيل ليقدم صورة جديدة عن الثقافة التونسية، بعيدة عن القوالب النمطية، وأكثر انفتاحا على الحوار مع العالم.