ثمةُ مَشروعيةٍ قَائمة لاستمراريةِ السؤال حول أفق الإبداع الشعري وتأثيره على المتلقي، طالما استمرت نصوص إبداعية في صناعة الدهشة لدى المتلقي، فالتلقي هو الجوهر الغائي من كل نشاط إبداعي، وهناك كثيرون مِمَّن يرون أن مزية التلقي الفارق عند جمهور القراء تعود لفرادة وإبداع المبدع ذاته: «إن أزمة التلقي كامنة في المبدع نفسه، فهو بقدر ما يمكن أن يبتكر نصاً حقيقياً مستوفياً لشرائطه الفنية، بقدر ما يتواصل معه القارئ»، لكن أحياناً يتجاوز الأمر عملية التواصل إلى عملية أفق الاستمتاع الجمالي، فهناك أعمال شعرية تمثل قراءتها نوعاً من المغامرة الممتعة التي تحتاج إلى سبيل من الاستكشاف والتمعن، كيف يصبح التلقي عملية مغامرة؟ أليس من المفترض أن تكون عملية التأليف هي التي تمثل عملية مغامرة تجريبية؟
يقول جان بارتليمي، «إن الأعمال الفنية الجميلة تمتع الإنسان بالجمال الذي يغذيه»، ولا اختلاف على أهمية الجمال وقدره وقيمته في العملية الإبداعية، لكنَّ الاختلاف، حسب متغيرات الأزمان، حول تحديد ما هو جمالي وما هو غير ذلك، كما أن ثقافة المتلقي تلعب أيضاً دوراً كبيراً في تحديد الجمالية والإمتاعية، وفي ظل هذه المتغيرات ننظر لديوان «ظهري أوهى من غيمة» بوصفه يقدم نوعاً من أنواع التجريب، الذي يجعل عملية التلقي مغامرة لها طابعها الخاص. ومنبع ذلك الطريقة التوليفية التي يتم بها انتقاء تراكيب المفردات مع بعضها بعضا، ويبدأ هذا الاشتغال التجريبي منذ العنونة، فعملية التشبيه المتماهي التي تكتنف الولوج الشعري للديوان تطلق مشاعر الحيرة والتفكير لدى المتلقي، كيف يمكننا تصور هذا التشبيه المركب، فالمؤلف امرأة، وهو ما يعطي معاني للبنية التكوينية تختلف عن المعاني التي يمكن أن نمنحها تراثياً وشعبياً للرجل في قولها «ظهري أوهن من غيمة»، ثم إن هذا الظهر ضعيفٌ وواهٍ مقارنة بشيءٍ آخر، ثم يأتي هذا «الشيء الآخر» ليتبين لنا أنه «الغيمة» بكل ما تحتويها كلمة الغيمة من دلالات السمو والارتفاع، وإمكانية الإمطار والإرواء، وكذلك الضعف أيضا، ليصبح الظهر حاملاً لمقاربة كل هذه المعاني، دون الوصول إليها أو بلوغها، فكيف يؤثر ذلك في حالة التلقي لباقي قصائد الديوان؟
أعتقد أن هذه العنونة تضعنا في حالة «حالمة» في تلقي الديوان، وتجعلنا نسير صوب القصائد تأسرنا حالة رومانسية تضيف للمعاني نوعاً من الجاذبية، ولعله من اللافت أيضاً ظاهرة عدد القصائد التي تصل إلى خمسٍ وخمسين قصيدةً، تسعَ عشرةَ قَصيدةً مِنها عنونتها من كلمة واحدة، هي: «فلامنكو، كراهية، رسائل، القُبلة، سهر، جملة، العتبة، توأمان، انحناءة، ظن، وجد، حجر، ثمرة، مشرب، قمح، حرث، حليب، علة، فراق»، بينما اثنتان وعشرون قصيدة جاءت عنونتها من كلمتين اثنتين على النحو التالي: «شابهت نفسي، الواقعية السحرية، لحن حوراني، كلمات بيضاء، جنازة مالحة، قُبَل مؤجلة، البشارة للذئب، قاع الألم، عشيقة حدثت، الجهل متعتي، كسر إيهام، مطر الجبل، وردة موتى، تعثرت بالسوتيان، رأس الشهوة، غزال مطارد، أعض المسافة، فناء المرايا، خيمة زرقاء، شعر أخضر، زهر الخطايا، حديث النار»، بينما القصائد التي تتكون من ثلاث كلمات عددها ثمانٍ، وهي: «أقرأ بسجية فلاحة، نذير مرض الذاكرة، أقيس العمر بالدهشة، المعنى في الهباء، ما أنا بتائبة، روحي مشبعة بالغرغرة، الحرب عادة يومية، سقطت في الحكاية»، والقصائد التي تتكون من أكثر من ثلاث كلمات ست قصائد هي: «الرعشة كم حب سقاها، صيف في سروال داخلي، رغبتي في حوض الزهور، ظهري أوهى من غيمة، كأن لوناً لم يكن، أنا الأذى يا نساء العالم».
وهذا التتبع الإحصائي لعنونة القصائد يعكس رغبة في الاختزال والاختصار، إن الشعرية عند سعاد الخطيب، تقوم على فكرة التكثيف أكثر مما تقوم على فكرة الاسترسال والبوح، واستخدام الألفاظ اليسيرة غير ذات التعقيد اللفظي والمعنوي، لكن في الوقت نفسه الرغبة في تقديم نوع من التخييل المفارق الجديد المغاير، الذي يستفيد من أفق التجريب الإبداعي هي رغبة واضحة تصل قمة الكشف عنها في عنونة قصيدتها «الواقعية السحرية» في إشارة واضحة إلى تأثر واضح لدى الشاعرة في كيفية توليد صورها الجمالية.
أرى أن قصيدة «الواقعية السحرية» هي قصيدة مركزية في محاولة فهم كيفية بناء شعرية سعاد الخطيب. تقول في مطلع القصيدة:
«أنشر ملاءاتي البيضاء/ على سطح البيت منذ ألف عام/ أسأل طائرا تخلَّف عن السرب – الطريق سالك إلى السماء؟ – إن كان لك جناح/ أو قلب رق كالهاء».
هذا الافتتاح التأسيسي الذي يزاوج بين الفعل اليومي المعتاد للأنثى من نشر ملاءة على سطح المنزل، وهو الفعل الذي يبدو أنه يتكرر منذ القدم منذ ألف عام، وفق زمن القصيدة، وهو ما يعني أن الحديث هنا ليس عن شخص الشاعرة بقدر ما هو تقمص لحالة الأنثى، وللحديث عن الأنثى ومعاناتها. ثم تستلهم الروح الحالمة للأنثى عندما تحدث حالة من الواقعية السحرية بالحوار والاستنطاق لذلك الطائر الذي تسأله عن الطريق إلى السماء، ويحمل هذا السؤال في الموروث العربي الكثير من الدلالات ما بين السمو والارتفاع والتحليق وحتى الموت، ثم يأتي رد الطائر في نوع من الحكمة العجيبة عندما يقول لها إذا كان لك أجنحة، أو إذا كان قلبك رقيقاً، كل هذه المعاني مُتضمَّنَة في داخل ثنايا النص بطريقة تجعلنا لا نبحث عن الصورة الشعرية في استقطاعاتها الفردية، بقدر ما نبحث عن المعنى الكلي المُتضمَّن، والذي هو على نحو أخاذٍ يَأسر ثنايا النفس.
ثم بعد تشكيل كتابي يوحي بانتهاء وظيفة المقطع الأول من القصيدة تمضي الشاعرة فتقول: «تحملني ملاءاتي/ أرتفع …/ أرى آثامي يانعة/ متناثرة فوق البيوت/ يستوقفني ماركيز عند حاجز المخيلة / أهبط في أرض المطبخ/ مبللة / في يدي توابل/ وفي أذني/ عبارة الجدات/ «الشعر لا يحمي المغفلات».
هذه الاستمرارية لحالة التداخل بين مهام الأنثى اليومية، والحلم المحلق في السماء، حتى تلتقي بماركيز، في ربط واضح بين عنونة القصيدة ومضمونها وفي إشارة إلى التقنيات التي تستخدمها في بناء شعريتها، ثم تأتي المفارقة، في تأكيد للسخرية والمرارة التي تعيشها الشاعرة وفي تقمصها لشخصية الأنثى في الواقع العربي، لينتهي هذا التحليق في السماء إلى الوقوع على أرض المطبخ وفي يدها التوابل، في إشارة إلى استمرار فعل الأعمال المنزلية، ما بين نشر الملاءة وتجهيز الطعام، وتأتي في الخلفية أصوات الجدات: «الشعر لا يحمي المغفلات»، وما بين النظرة الثقافية التي تضع الشاعر في الميراث العربي في مصاف الأنبياء، والنظرة الواقعية التي تجعل الشاعرة في وقتنا الراهن مغفلة، فإن السخرية المريرة هنا تتخذ بعداً كبيراً في كيفية توصيف الصورة وتوصيل المعنى المتضمن.
تقول في قصيدة «ظهري أوهى من غيمة»:
«الوردة للسرد أردتها/ تشرب الماء والذكرى مني/ الزمن أبطأ عند الوردة/ الذكرى تعوم برخاوة/ في هواء الغرفة/ رخاوة العجين الذي يغري باللمس ويراوغ في القبضة/ يغري ويراوغ/ يغري ويراوغ/ هكذا يتقصف الزمن على نفسه/ يُمكّنني منه طرياً/ لحماً مجهول الهوية/ في سوق الخضار». تبدأ هنا الشاعرة إضفاء نوع من التأسيس الشعري على انطلاق القصيدة، فهي تتحدث عن وردة، وهي كناية تقليدية عن الأنثى، ومثلما تلاعب ماركيز بالزمن في روايته المشهورة «مئة عام من العزلة»، تشير هنا إلى النواحي الزمنية، وتقوم بحشد المرادفات التقليدية للحياة اليومية للأنثى من عجين وطبخ، مازجةً ذلكَ بالزمن الذي يسرع ويبطئ وفق ظروف أخرى غير مُتحَكَّم فيها، فبطريقةٍ متزنةٍ تضعُنا الشاعرة في مطلع القصيدة بين ثلاثة أنواع من الحزم الشعورية، واحدة منها الزمن وتقلباته وانقساماته بين السرعة والبطء، والثانية النواحي اليومية من عجين وهواء وطعام وغيره، مما اعتدنا أن يكون خاصاً بالمرأة في حياتها، ثم الحزمة الثالثة، ذلك الغموض الذي تحمله رمزية الوردة في الافتتاحية، الوردة والذكرى والنواحي الشعورية الذائبة بين الزمن وما هو يومي، بهذه الطريقة التي تخاطب النفس والوجدان بأكثر مما تخاطب التذوق الجمالي للمفردات التقليدية والتراكب الشعري المعتاد، إذن رغبة الخروج عن المألوف في التعبير الشعري واضحة هنا. ثم تنتقل الشاعرة انتقالاً مُفاجِئاً ومُفارِقاً، تقول:
«في الحرب/ لست أوديب في التورية/ لم أسمل عيني في نهاية نشرات الأخبار/ تناولت بهما المجزرة/ بنهم بومة/لها شبهة دريئة هاربة».
إن هذا النص يمكن القول إنه يمثل ظواهر الحداثة – في تناول اغتراب الإنسان المعاصر، والنواحي النسوية وغيرها من الأغراض- كما أنه أيضاً يغازل ما بعد الحداثة في طريقة التعبير التي تعتمد على طوابق متعددة من القصيدة، وتداخل المشاعر بما يشبه التداعي الحر في طريقة تأليف الكلمات، دون وجود رابط محدد، ودون تنافر وبعد أيضاً عما يمكن أن يربط هذه المتفرقات مع بعضها بعضاً.
«كان ظهري أوهى من غيمة / وأنت جمر الحرب/تطعنني بعلامات الترقيم/ تطفئ روحي بالتقاء الساكنين». ثمة إيحاء بنوع من الحميمية في هذا التعبير، إلماح إلى مقدار الذوبان عند التقاء الحبيبين في لحظاتهما المغلقة، لكنه مجرد خيط من سراب، لا نمسك بما يؤيد هذا التلميح أو يعارضه، إنما رغم ذلك نستشعره من خلال كلمة «تطعنني» في الوقت نفسه استخدام «علامات الترقيم»، و»التقاء الساكنين»، هذا التوظيف غير المتخيل عن الظواهر اللغوية يعيد التدقيق من جديد في طريقة توظيف المعطيات اللغوية، إذن ثمة غموض وتلميحات ومفارقات واستلهام روح الأنثى سائدة في النص.
بيد أن جانباً من الشعور بالمرارة المخبأة في ثنايا النص والناتجة عن التعرض للخديعة يكشف عن نفسه في القصيدة ذاتها، تقول:
«كبرت كأي امرأة معدة للخديعة/ تتناول وجبة الانتظار في المقهى/ تدفع الفاتورة بأناقة بروتوكولية/ كأنها على خشبة المسرح/ يشغلها التصفيق عن التفرس/ في الطريق المؤدية إلى الكواليس». هذا الحديث عن الخديعة يكشف لنا جانباً مِمَّا أدى إلى ضعف ظهر الشاعرة، بما أن الظهر غالباً ما يتم استخدامه في الثقافة العربية للتعبير عن الصمود وعن الوقوف في وجه المحن، ورغم أنها في قصيدة سابقة استخدمت الظهر الواهن فيما يشبه التعبير عن العلاقة الحميمة، لكن مع هذا النص الذي يشير إلى تعرض الذات الشاعرة للخديعة في الحب، فإن جانباً آخَر من الترابط يظهر بين ثنايا النصوص الواردة هنا، وهي ظاهرة تستحق أيضاً أن نشير إليها، فالخمس وخمسون قصيدة هنا تندمج معاً في نوع من الوحدة العضوية الجديدة، حيث تؤدي قراءة كل قصيدة إلى إضفاء معانٍ مختلفةٍ عن باقي القصائد، وهو ربطٌ لا نعلم إن كان مقصوداً أو غير مقصود، لكنه يمثل ظاهرة موجودة هنا تلفت النظر إلى نفسها، حيث يتم التعبير عن الشعور الواحد بطرق مختلفة في كل قصيدة، ثم تكتسب هذه المفردات معاني مغايرة إذا ما قمنا بالربط بين القصائد وبعضها بعضاً، وهو ما يجعلُ قراءة الديوان عملية مغامرة وتجريب في التلقي تختلف وتتمايز في كل مرة نقوم فيها بالربط بين النصوص وبعضها بعضاً، وهي تقنيةٌ فريدةٌ أبدعت فيها الشاعرة، وقَلَّ من يجيدُ استخدامَها في شاعريتنا العربية.
شاعر وناقد مصري
جاء في مستهل المقال:ثمةٌ مشروعيةٍ.الصحيح أن نقول:ثَمَّةَ مشروعيةٌ.لأن ثمة اسم إشارة مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية، في محل رفع خبر مقدَّم..ومشروعةٌ:مبتدأ مؤخَّر مرفوع بالضمة الظاهرة.
شكرا من القلب دكتور حمزة قناوي
دراستك وقراءتك القيمة إضافة غنية لمجموعتي ” ظهري أوهى من غيمة “
الله الله..منذ زمن طويل وأنا مشتت التركيز عند كل قراءة، لكن هذا المقال اخذني وحملني بكلي الى درجة تمنيت لو ان النص لن ينتهي…
فقد اعتقل النص مخيلتي ومنعني من الركض خارجه،فنعم الأسر حين يكون النقد غير النقد والشعر غير الشعر..
سأكون سعيدا جدا ان تمكنت من إبداء مدى اعجابي والرضا الذي انتابني وأنا أعانق هذا الصباح بهذا الفيض من الإبداع والالق
كل التحايا التي تليق بسمو النشر