معارضون سوريون يرفضون مسلسلاً يسخر من بشار الأسد ويعتبرونه ‘مهزلة’!

حجم الخط
0

أنتج موقع ‘زمان الوصل’ الإلكتروني السوري المعارض مسلسلا كوميدياً قصيراً لعرضه على موقع الفيديو الشهير بعنوان: ‘رئيس ونساء’ كتبه وأخرجه الكاتب فؤاد حميرة، مؤلف مسلسلات: ‘رجال تحت الطربوش’ و’غزلان في وادي الذئاب’ و’الحصرم الشامي’ وقام بتمثيله الفنانة مي سكاف ومجموعة من الممثلين الهواة.
– معارضون يرفضون العمل!
الحلقة الأولى التي بثت على شبكة الانترنت، أثارت استياء شديداً على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات السوريين المعارضين لنظام الأسد قبل المؤيدين… إلى حد دفع بالباحث والمترجم السوري المعروف صخر حاج حسين على صفحته على الفيسبوك إلى القول: ‘مي سكاف وفؤاد حميرة أنتما مطالبان باعتذار علني من الثورة السورية على تفاهة مسلسلكم: رئيس ونساء’. أما الصحفية والكاتبة الدرامية كوليت بهنا فقد وصفت العمل بـ ‘المهزلة’ وكتبت على صفحتها تقول: ‘شفت الحلقة الأولى من ‘رئيس ونساء’.. الصديق فؤاد حميرة.. لأنك بتعرف مكانتك عندي.. حتى لو زعلت مني بس اللي كتب ‘الحصرم الشامي’ ما بصير يكتب هيك شي.. ومي سكاف معقول؟ والله شو ما حكوا عليكم المنحبكجية ما رح نقدر ندافع عن هالمهزلة’.
في المقابل هناك من طالب باحتضان التجربة بدل جلدها، وقد ذهب الأمر بالكاتبة غالية قباني إلى القول: ‘على عكس من نسف التجربة، أراها محسوبة على فن ‘الفارس Farce’ الشديد السخرية حد الخيال الغرائبي البعيد عن منطق شروط الفن الواقعي. ملحوظتي أن الكتابة كانت كثيرة وتشوش على التركيز، لو قللت يكون لها تأثير أكبر. الأمر الآخر أن هذا فن ينتج عبر ‘يوتيوب’ لذا فإن شروطه مختلفة فنيا عن شروط العمل التلفزيوني. لا تحاكموه وفي ذهنكم التلفزيون. شكرا فؤاد حميرة وشكرا مي سكاف وكل من شارك في هذا العمل’.
والواقع أن مناقشة رأي الكاتبة غالية قباني، لا بد أن تقود إلى التدقيق في الوصف الخاطئ الذي قدمته لفن الفارس، المشتق اسمياً من لفظة فرنسية معناها ‘الحشو’ والمقصود بها فنياً، المسرحية الهزلية التي لا تستهدف سوى إثارة الضحك، دون أن يكون لها أي هدف اجتماعي أو أخلاقي، ولذلك تعتمد في إثارة الضحك على الحركة البهلوانية والنكتة اللفظية. وبالتأكيد فإن هذا التعريف لا يمكن أن ينطبق على عمل يحاول ان يشرح – حتى بشكل هزلي – بنية حياة ديكتاتور وعائلته… بل إن تطبيق مفهوم الفارس على العمل، هو إهانة له، لأنه يعفيه من الهدف الاجتماعي أو النقدي تجاه مقاربة موضوعه؛ أما القول بأن شروط عمل يقدم للعرض على اليوتيوب، مختلفة تماماً عن شروط العمل التلفزيوني… فهو ادعاء تنظيري لا معنى له، وهو شبيه بالقول إن الفيلم السينمائي يختلف في العرض التلفزيوني… مع أن القاعدة التي يعرفها الجميع، أن العمل السينمائي الجيد يعرض في صالات العرض، ويعرض في التلفزيون، ويمكن اليوم أن نشاهده على اليوتيوب دون أن يتغير في مضمونه أو محتواه شيء، سوى أن طقس العرض السينمائي كحالة اجتماعية مختلفة بالنسبة للمشاهد الذي يحب ارتياد صالات العرض… ناهيك عن أن اليوتيوب، ليس فناً جديداً، كما هو حال الفنون البصرية الأساسية ‘المسرح، السينما، الرسوم المتحركة، الفيلم التلفزيوني، المسلسل الدرامي، الأغنية المصورة’ بل هو مجرد وعاء عرض لمادة فيديو يمكن أن يحتوي عرضاً مسرحياً مصوراً، أو فيلما سينمائياً، أو حلقة من مسلسل درامي، أو حتى إعلاناً تجاريا.
رؤية هزلية تقفز على الوقائع!
الحلقة الأولى من مسلسل ‘رئيس ونساء’ حملت عنوان: ‘كيف وصل إلى الكرسي’ في إشارة واضحة إلى طريقة إعداد بشار الأسد لتولي الرئاسة، ويقدم العمل لهذا الحدث برواية صوتية لحكواتي تفيد بأن ابن الحاكم كان منكباً على دراسته في بلاد الفرنجة… حين جاء خبر وفاة والده. الحالة المشهدية هي لشاب يرتدي زياً ولادياً ويلعب ألعاب الفيديو الألكترونية، وعندما يأتيه الخبر يعلق بطريقة تهريجية لا ينافسها سوى بكاء مفتعل لمن أبلغوه الخبر، في محاولة يائسة لإضفاء حس كوميدي على الحالة!
ثمة ملمح كوميدي وحيد في الحالة المشهدية كان يمكن البناء عليه، هو رفع بشار الأسد لجهاز التحكم ولف شريطه، استعداداً لمواجهة الوضع العائلي والسلطوي الجديد… على اعتبار أنه عرف عنه ولعه بألعاب الفيديو، لكن هذا الملمح يصبح منفراً وعديم القيمة في سياق حالة الافتعال والتهريج التي تطبع الحالة التمثيلية وبنية السيناريو والإخراج كذلك.. ثم يركز العمل على حالة إعداد بشار من شاب مدلل، عبر قص شعره ومطالبته بأن يكون رجلاً وسط إدارة والدته التي رغم اتشاحها بالسواد وصرامة ملامحها، فإنها لا تشذ عن حالة الافتعال والأداء التهريجي المسرحي الذي يعتبر كارثة من كوارث أي عمل تلفزيوني، لأنها تلغي أثر الكاميرا وحساسيتها كوسيط بالنسبة لمشاهد مختلف تماماً عن حاله في مواجهة خشبة المسرح.
إذا أمكن لنا أن نعود إلى رغبة هذا العمل الكوميدي في تحليل آليات تولي بشار الأسد للسلطة، ضمن منظومة حكم عائلي طائفي، يحرم على الجميع مجرد التفكير بأن هناك من يمكن أن يفكر ولو أن يكون منافساً صورياً لآل الأسد حتى في مسرحية انتخابية هزلية، سنجد أن العمل قفز على حقائق ترقى إلى تشويه ما حدث… فمن المعروف ان استدعاء بشار من دراسته في لندن، كان بعد مقتل شقيقه الأكبر باسل الأسد في حادث سير على طريق مطار دمشق الدولي عام 1994. وليس إثر وفاة والده في صيف العام 2000. وأن عملية الإعداد كانت خطة مخابراتية مدروسة لتسويقه من خلال ظهوره في مناسبات اجتماعية، وتوليه رئاسة الجمعية المعلوماتية في أول إدخال للانترنت في سورية، ثم في تلميعه من خلال حملة مكافحة الفساد، ناهيك عن تنسيبه للجيش وظهوره بالبذة العسكرية.. هذا التسخيف والتجاوز على تلك الحقائق، أعتقد أن يحمل هدفاً بعيداً، وهو نفي صفة الإصرار المدروس على استثئار الطائفة بالحكم، وتصوير الأمر على أنه مجرد فراغ دفع إليه بشار الأسد الطيب المسالم الذي كان يدرس طب العيون في لندن ويقضي معظم أوقات فراغه في لعب البلاي استيشن!
ثمة من يقول أن هذا العمل هو رؤية كوميدية ساخرة، وليس عملاً توثيقياً ولا مسلسلا دراميا تراجيدياً… وبالتالي فإن لديه مساحة لإعفائه من دقة هذه الإسقاطات، أو التقيد بذكر كل الوقائع… لكن كون العمل كوميديا او ساخراً كما روّج له، لا يعفيه من التعامل مع الوقائع الحقيقية وخصوصاً في تشكيل أصل الصورة، وتحليل بنية الحكم… فالكوميديا هي أسلوب معالجة وزاوية رؤيا، لكنها ليست تعامياً عن رؤية الوقائع كما حدثت… والقفز عليها من أجل القول إن الأمر جرى بسرعة وارتجالية. ست سنوات جرى فيها إعداد بشار الأسد لتولي كرسي الحكم، ليس بالضرورة أن نقف عند كل تفاصيلها، لكن من الضروري أن نروي هيكلية ما جرى بصدق واحترام لما جرى… وخصوصا أن ما جرى قد انتج خلال السنوات الثلاث كل هذه المجازر الطائفية والتهجير والتدمير.
عمل بلا هوية!
من حق صناع العمل أن يقدموا هذه الوقائع في سياق كوميدي، لكن مشكلة العمل الأساسية تكمل في غياب فهم صناعه لطبيعة ما يقدمونه. فلا هو فارس، ولا هو كوميديا سوداء ولا هو عمل ساخر، لأن السخرية بما هي قول الحقيقة بنقيضها تقتضي جدية بالغة في الأداء لتشريح تناقضات صارخة في البنية… أما ما قدمه فؤاد حميرة، فهو يحمل تطلعات مخرج مسرحي كانت له محاولات في المسرح الجامعي، وأراد أن يقارب الأداء المسرحي على الشاشة، فانتج كارثة فنية قبل أن تكون في طريقة رؤيته للأحداث والزاوية التي أراد فيها تشريح بنية نظام الأسد العائلي.
في حالة مثل حالة الرفض والنفور التي ولدها هذا العمل من الحلقة الأولى، اعتاد الفنانون عادة أن يتصنعوا الحيرة… كأنه يقول إن هذا العمل أفرز هجوماً كبيراً ودفاعاً كبيراً… وأننا سعيدون بهذا الجدل فهذه هي وظيفة الفن والفن تجارب… لكن ثمة فارق كبير بين الجدل الناتج عن تقدير العمل والاختلاف حول تفاصيل فيه، وبين وصف العمل من قبل جمهور عادي، وآخر متذوق، وشخصيات عاملة في الوسط الثقافي، بأنه ‘مهزلة’ و’يستوجب اعتذار’ ولعل فؤاد حميرة نفسه يدرك دون شك، وهو كاتب أعمال درامية سابقة حققت صدى، أن كل ما اثير من انتقادات حول أعماله السابقة حالة مختلفة تماماً عن الحالة التي يواجهها هذا العمل، والتي يورط فيها فؤاد حميرة المخرج المسرحي الهاوي، فؤاد حميرة الكاتب المحترف، بكتابة شيء يناسب تصورات المخرج الذي لا يدرك الفروقات بين العمل المسرحي والتلفزيوني ‘كما تقول صورة العمل حصراً’ ولا ينجح في كسب تعاطف جمهور الثورة، مع أنه كان يملك أكبر ورقة كان يمكن ان يكسب فيها التعاطف، وهي ورقة الحديث عن بشار الأسد على هذا النحو.
لكن ردود أفعال جمهور الثورة ‘لا ندعي أنها بنسبة 99.99%’ هي أجمل شهادة لجمهور الثورة الذواق، والمؤمن بقول الصدق… فهم لم يستيسغوا التهريج، ولم يستسيغوا الافتعال، ولم يتغاضوا عن الضعف الفني لأن العمل يقول ما يقول!
تجربة ليست رائدة!
بالتأكيد عمل ‘نساء ورئيس’ ليس رائداً كأول عمل درامي عن الثورة ينتج للعرض على اليوتيوب، فقد سبق لمجموعة من شباب الثورة السورية أن أنتجوا عام 2011 عملاً بعنوان: ‘حرية وبس’ وقد حظي ذلك العمل الكوميدي باحترام وتقدير جمهور الثورة، وتناولته المحطات التلفزيونية باهتمام… قبل أن تبادر إلى عرضه لاحقاً على شاشاتها، فعرضه تلفزيون الأورينت في جزئه الأول في دورة رمضان من عام 2011، وعرض الجزء الثاني في تلفزيون الآن عام 2012 ولعل محاولة القول بأن مسلسل ‘رئيس ونساء’ هو تجربة رائدة، يشكل اجحافاً بحق التاريخ الفني للثورة السورية، أما الادعاء بأنه عمل مثير للجدل… فهو محاولة أخرى للتغطية على عيوبه البالغة… وفشله الفني قبل الموضوعي… فمسلسل ‘سحبان السواح’ للمخرج سمير ذكرى ومسلسل ‘فرصة العمر’ للمخرج عزام فوق العادة واجها قبل أعوام فشلا ذريعاً مماثلاً، وشن صناعهما حملة ضد النقاد الذي وصفوهما بالأعمال الفاشل… لكن أحداً لا يذكر هذه المسلسلات اليوم ولا يقيم لها أي اعتبار في تاريخ الدراما السورية.
ومرة أخرى أنحني إجلالاً لأبناء الثورة الذواقين الذين رفضوا التصفيق للعمل لدوافع سياسية، وآمنوا أن الثورة جمال ورقي ونهوض فني، وليس حالة غوغائية ندافع فيها عن أي عمل يشتم الديكتاتور ويسخر من عائلته ونمضي… كما يفعل الشبيحة مع أغنياتهم البذيئة!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية