نحو تيار أساسي في المنطقة

ينشأ التيار الأساسي مؤقتا عندما تلتقي وجهات نظر إصلاحية قائمة، حول نقاط مشتركة في لحظة زمنية. والواقع أن المنطقة حاليا لا تتوفر على مجموعات إصلاحية فاعلة، ولا وجهات نظر إصلاحية، تدعم العمل المشترك. كما لا توجد أفكار كبرى يمكن أن تمهّد لانبثاق تيار سياسي أساسي في الأفق المنظور. لكن المحفّز الأكبر في المنطقة هو قضية فلسطين. وكلما ارتفعت حدة الصراع وشراسته، تزداد فرص تشكل تيار أساسي مستقبلا.
إن أحداث فلسطين إذا نظرنا إليها بعيدا عن المواقف المتباينة، فإنها تعكس تغيرات حاصلة في نظام عمل التاريخ، وعنصرا محفّزا لسرعته. حيث يشهد وعاء المنطقة ” تدفقا هائلا للتاريخ” في الوقت الحالي، وهي ظاهرة تحدث أحيانا وتختفي أخرى. فما يحدث يعيد صياغة المشاعر والأفكار، وإن لم تتغير السياسات.
وتدفعنا المعطيات السابقة إلى الاكتفاء بأدوات الوعي والثقافة، في غياب أفكار وأدوات السياسة العربية. إن فكرة المقاومة حاليا تستمد قوتها من ثقافة المجتمعات ووعيها، لا من المواقف والاتجاهات السياسية التائهة والمتناقضة. وما يضمن حياتها واستمرارها، هو الوعي لا السياسة.
طبيعة الثقافة والوعي المشترك يقفان وراء ما نشاهده من تفاعل وجداني عربي وإسلامي مع فلسطين. فثقافة الشعوب تدفعها لهذا التفاعل، في غياب تيار سياسي سائد، أو حتى وجهة نظر سياسية عربية.

دينامية الموجة

تتحرك المجتمعات من خلال” دينامية الموجة”، لا عبر “دينامية التيار”. فالمجتمعات لا تؤسس التيارات، بخلاف التنظيمات التي تعمل من خلال فكرة التيار. لكن هل يمكن أن ينشأ في المنطقة تيار أساسي من دون تنظيمات؟ الجواب: نعم، وذلك حين يتشكل لدى الشعوب موجة وعي تجاه قضية معينة، وتقوم تلك الموجة بدفع القوى السياسية نحو موقف عام. واعتبارا للواقع الحالي، فإن بروز تيار أساسي في المنطقة، لن يجد أمامه سوى المعطى الثقافي.
يصعب تحقق تيار سياسي أساسي مستمر في المنطقة. وبالمقابل فإن التيار الثقافي الأساسي، يمكن ملاحظة فاعليته بوضوح. بل إن التيار الثقافي يقف وراء تشكل اتفاقات سياسية عريضة في تاريخ المسلمين، ويقف وراء بروز التيار السياسي نفسه. ففي زمن صلاح الدين الأيوبي، كان الوعي والثقافة المشتركة لا الاتفاقات السياسية، هو ما أنجز نجاحات كبيرة.
إن فتح القدس حينها، لم يكن يعني وجود تيار سياسي أساسي في المنطقة، بل وعي وثقافة أساسية بضرورة التحرير. لقد كان المسلمون في الغالب يفكرون سياسيا بمنافسة واستقلال كبير عن بعضهم، لكنهم كانوا ثقافيا يفكرون بشكل أكثر تقاربا. إن ما جذب السودان والمغاربة نحو فكرة التحرير، لم بكن بسبب وجود تيار سياسي أساسي، بل نتيجة تأثير الثقافة العامة.
وينطبق هذا الأمر تاريخيا على المجموعات التي كانت تتدفق نحو البوسنة والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها. إن المغاربة في الدولة السعدية لم يكونوا سياسيا على وفاق مع صلاح الدين الأيوبي، ورفضوا في إحدى المناسبات إمداده بالأسطول البحري، وحدثت مواجهات عسكرية وصراع بين الطرفين في أماكن معينة. لكن المغاربة من الناحية الثقافية، كانوا جزءا من تيار ثقافي سائد حينها، يوجه أنظاره صوب هدف التحرير.
إن المجموعات العربية تتمتع غالبا باستقلال سياسي، ويخفى على الكثيرين مثلا أن هزيمة مصر عام 1967، قد خفف الضغط عن المغرب في قضية الصحراء، وهو أمر قد يبدو غامضا بالنسبة للكثيرين. ذلك أن المدّ الجمهوري في تلك المرحلة كان ينفر من الملكيات ويواجهها. إن 7 تشرين الأول/أكتوبر شكل أرباحا فلسطينيا، لكنه أيضا شكل أرباحا مغربيا، رغم كل المسافات التي تبدو بعيدة، فكل الضغوطات العالمية المتزايدة على إسرائيل، تزيد من حاجتها إلى الأطراف العربية، خاصة التي تربطها شراكات معها. فالمواقف السياسية، أرصدة بنكية ضخمة.

كيف تتشكل التيارات؟

يبرز تيار أساسي في حقبة زمنية، بتوفر أحد العناصر الأربعة التالية:
أولا: أن تقود السلطة وفق حاجتها فكرة التيار، بخلق مجال لتوجيه النقاش العام نحو وجهة محددة.
ثانيا: يتشكل التيار نتيجة أزمات أو صراعات سياسية ضخمة، تفرض نقاشا ثقافيا واسع النطاق.
ثالثا: بروز أيديولوجيا كبيرة وتمددها في المنطقة.
رابعا: حين ينشأ تيار ثقافي بناء على رؤية وفكر شخصية علمية أو سياسية مؤثرة.
أما بروز مناطق ثقافية كبرى، فهو أمر أساسي لنشوء تيار عام. وليس شرطا أن تكون دولة مثل المغرب أو تركيا أو أندونيسيا أو قطر، منتجة ومصدرة للثقافة، لكي تكون منطقة ثقافية كبرى. إذ يكفيها أن تكون وعاء جغرافيا platform لاستيعاب تطور محتويات التيار الثقافي الأساسي. إن التيار الثقافي ليس أوراقا ومصنفات مكتوبة، فانتشار ثقافة التضامن العربي الإسلامي حول القضايا المصيرية، روح جماعية عامة.

المجموعات الثقافية العربية

كانت المجموعات الثقافية العربية قبل بروز الدولة العربية الحديثة، تستمد شكلها من المجال الواسع للدولة العثمانية قبل سقوطها. ولذلك كانت المكونات العربية تعيش وضعا ” ما فوق قومي” وغير متصادمة مع الدين، وتعيش ضمن مجال يستوعب التعدد اللغوي والمذهبي والقومي داخل الفضاء العثماني.
لكن انهيار الدولة العثمانية واختفاء الصيغة السياسية الجامعة في المنطقة، قد عقد عملية تشكل تيار ثقافي أساسي في تلك المرحلة. كما أن التاريخ الثقافي العثماني الضعيف، جعل الدول القومية الجديدة لا تجد منتجات عثمانية، يمكن الاعتماد عليها في بناء الدولة، فلجأت غالبيتها إلى استيراد مفاهيم الثقافة الغربية.
وأصبح المتسع العثماني الذي كان يضم أغلب مكونات المنطقة، مجالا لانقسام ثقافي على قاعدة فكرة القومية واللغة والعرق والانتماء الطائفي. أما القومية فلم تكن قادرة على تشكيل تيار ثقافي أساسي، بسبب ما تفرضه بنيتها المنغلقة. بل أفرزت القومية، رد فعل كبير نحو بروز تيار إسلامي، يسعى لإعادة بناء ثقافة “فوق قومية”.
ولم يتمكن المكونان القومي والإسلامي من توفير سياق ملائم لانبثاق تيار عربي ثقافي، بسبب حالة الصراع والاصطفاف، الذي يعتبر ضد فكرة التيار الأساسي. وتحول الاصطفاف السياسي إلى احتراب ثقافي وأيديولوجي متزايد، مع بروز أيديولوجيا اليسار العربي، الذي أعاد إنتاج الصراع مع الإسلاميين. وافتقد ثقافيا الأصالة والمحلية، بسبب استمداد أيديولوجيته من خارج المنطقة.
وبعد تمدد الإسلام السياسي تفاقم الصراع، في مواجهة الدولة نفسها. ولم يمتلك الإسلاميون فكرة بناء تيار ثقافي أساسي، لانشغالهم بمشكلة الدولة. ولم تمتلك الدولة العربية مشروعا ثقافيا، قادرا على استيعاب تناقضات المنطقة لانشغالها بالإسلاميين.
لكن الدولة العربية قد فضلت الصراع الثقافي مع الإسلاميين، من داخل نفس الإطار الإسلامي، وإحداث انقسام ثقافي جديد، مضاد لفكرة الإسلام السياسي. حيث برزت ثنائيات ثقافية جديدة، مثل التطرف والاعتدال، الغلو والوسطية، والعقل والنقل، والأصالة والحداثة.

فرصة ما بعد الصراع

إن مرحلة هدوء الصراع الأيديولوجي حاليا، تمثل فرصة لكي تشعر مكونات المنطقة بالحاجة إلى مشاريع ثقافية ذات رؤية مستقبلية. أما الدولة فتدير الشأن الثقافي بالقليل مما يتوفر من الموارد، خاصة بعد سكون المعارك الثقافية مع الإسلاميين في المنطقة. أما الفاعلون السياسيون والثقافيون، فإنهم إما مراجعون لأفكارهم، أو متراجعون عنها.
تمثل قضية فلسطين العنصر الفعال الوحيد، لفرصة تطور تيار ثقافي عربي. ذلك أن أبعادها السياسية والإنسانية تخلق نقاشا عاما، كان مفقودا إلى وقت قريب. ويؤدي بالتدريج إلى تشكل وعي مشترك حول القضايا التالية: الإنسان، مفهوم العدو، مفهوم التضامن، التحالفات، المقاومة، العلاقة مع الدين. وبإمكاننا أن نلاحظ أن ثنائية” السلطة/الإسلاميون” التي كانت تؤطر الموقف من قضية فلسطين في السابق، ليست حاضرة في الصراع الراهن.
لقد تخلصت قضية فلسطين إلى حد بعيد من التوظيف الأيديولوجي لها منذ أكثر من قرن، وهذا تطور أساسي. ذلك أن المنطقة والعالم ينظرون إليها من خلال غزة، لا من خلال حركتي حماس والجهاد.
إن قضية فلسطين توفر الآن فرصة كبيرة لتقريب نظام المفاهيم الذي يعاني من التمزق في المنطقة. ذلك أن تقريب المفاهيم السائدة، مدخل أساسي لتشكل التيار الأساسي، لكون التقريب يصنع مساحة مشتركة واسعة بين مكونات المنطقة. إننا لا نتحدث جميعا بلغة ووعي ثقافي واحد، لكن بإمكاننا أن نفهم بعضنا بشكل جيد. إن مزيدا من توليد المفاهيم من داخل الوضع الفلسطيني الحالي، يساعد الثقافة العربية على التقاط أنفاسها.
إن تيارا ثقافيا أساسيا مستوعبا وغير شمولي في رؤيته حاجة ضرورية. تيار لا يختبئ من أزماته بالهروب إلى الماضي أو استيراد الجاهز. تيار ينبغي أن يدين كلا من الاختباء والاستيراد. تيار لا تبحث مكوناته عن صراعات صفرية، أو ضربات قاضية لباقي المكونات.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية