نُصب قاسم سليماني: تذكير بالغطرسة وعنجهية جوفاء

حجم الخط
24

قبل بضعة أشهر أسقطت الشعوب في أمريكا وأوروبا نُصبا تمثل زعامات وشخصيات وطنية، لها أثر كبير في صنع تاريخ هذه البلدان، فقط لأنهم اكتشفوا أن هؤلاء كانوا عنصريين في أفعالهم وكتاباتهم، فأزالوا ذكراهم من الشوارع والساحات، كي لا يستقروا في وعي الأجيال كأبطال. فكيف تُقام نصب وجداريات لغرباء بأفعالهم، طفح أديم الارض العربية بدماء أبنائها؟
هل يُعقل أن يوصف القاتل بأنه حامي الحرية والبلدان والأعراض؟ أيُعقل أن يصبح الزعيم الطائفي زعيما شعبيا، تُلطم عليه الخدود وتُشق الجيوب بذكرى مقتله؟ أم أن كل ما هو متعارف عليه أصبح مقلوبا في عصر الطائفيين، إلى الحد الذي بات الثعلب حامي بيت الدجاج، والكاذب يُقسم ليل نهار أنه صادق، والسارق مهمتة حماية بيت المال، والذئب واجبه حماية القطيع، والمتسلط يناضل من أجل صون الحرية، والمجرم تسيّد على منصة سلطة القضاء، والحرباء باتت تأخذ موقفا ثابتا.

التلاعب بالنسيج الاجتماعي لمجتمعاتنا العربية، تمارسه إيران بزرع الميليشيات والأحزاب الطائفية، ونشر ثقافة الولاء خارج المنظومة الوطنية

إن تسابق الأتباع والأنصار في العراق ولبنان واليمن وسوريا، لإقامة نُصب وجداريات تحمل صور قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، الذي قتلته القوات الأمريكية في الثالث من يناير عام 2020، بضربة جوية من طائرة مُسيّرة، حين خروجه من مطار بغداد قادما من دمشق، هو مشهد زائف من قبل هؤلاء، وفعالية سياسية لتثبيت دالة لحاضنتهم إيران على أنها موجودة على هذه الأرض، وأنهم أدواتها وأذرعها وميليشياتها. وقد اتخذوا من هذا السلوك وسيلة لتجديد البيعة والولاء والوفاء لأسيادهم. فأهلنا في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين، وكل الأرض العربية، يعرفون جيدا أن قاسم سليماني ورهطه في فيلق القدس، لم يقاتلوا يوما من أجل فلسطين، ولا لسواد عيون القدس، بل هم قاتلوا ويقاتلون من أجل ثوابت جيوسياسية لإيران، هي نفسها كانت قبل الاسلام، وكانت نفسها قبل التشيع، وكانت نفسها في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، ونفسها بعد ثورتهم عام 1979 وحتى اليوم. إنها ثوابت براية واحدة وشعار واحد وعقلية واحدة، تقودهم دائما إلى الغرب، لأنهم يعتقدون أن العرب هم أكبر تهديد لهم. إبحثوا في عقول وقلوب وجيوب كل الإيرانيين ساسة ورجال دين، إصلاحيين ومحافظين، معارضة وموالاة، سوف لن تجدوا خريطة فلسطين أو صورة للقدس لديهم. ستجدون خريطة واحدة تسكن ضمائرهم هي لكيان امبراطوري إيراني، يمتد من إيران إلى اليونان، ولأنهم لا يعرفون الطريق إلى فلسطين ولا الطريق إلى القدس، لذلك كانوا في كل مرة تطأ أقدامهم الأرض العربية، يكون شعارهم/ الزحف إلى القدس. توجهوا إلى بغداد في حرب الثماني سنوات، وكان شعارهم الطريق إلى القدس يمرّ من بغداد وكربلاء، فصموا آذانهم عن الدعوات المتكررة لوقف الحرب وصون الدماء. وفي عام 2003 تستروا بنيران الغزاة، واحتلوا معهم العراق، ثم فعلوا الكوارث فيه بأسم الزحف المقدس إلى فلسطين. وفي سوريا مارسوا القتل بالجملة وحطموا البلاد، وزرعوا فيها الخراب، تحت شعار تحرير فلسطين والقدس يمرّ من الجولان. وفي لبنان صنعوا ميليشيا حزب الله، فكان دولة داخل الدولة، وسلطة أعلى من كل السلطات، وكان الشعار والراية هما نفسهما في العراق وسوريا. والسيناريو نفسه جرى في اليمن، دولة داخل دولة، وسلطة موازية من أجل الوصول إلى فلسطين. ولو أمعنا النظر في كل هذه الحواضر العربية، نجد أن كل الشهداء العرب من أجل فلسطين من غير الفلسطينيين، كانوا من هذه البلدان، وأن الجيوش الوطنية لهذه البلدان هي التي تحملت العبء الأكبر في كل المعارك التي حصلت مع الكيان الصهيوني. كما كانت كل المنظمات الفدائية الفلسطينية فيها فدائيون عرب، وهبوا دماءهم لفلسطين. في حين كان الإيرانيون من أخلص حلفاء إسرائيل في زمن الشاه، وعندما جاء النظام الإيراني الحالي هرول نحو إسرائيل في أول مأزق مرّ به في حربه مع العراق، للحصول على الدعم العسكري الأمريكي، فيما عُرف بـ(إيران كونترا). فهل يستقيم شعار تحرير فلسطين والقدس الشريف، مع تحويل عواصم عربية مهمة إلى حطام؟ فهذه بغداد ودمشق وبيروت، وتلك صنعاء، كلها دول فاشلة يعم الفقر فيها والوباء والفقر والجوع والقتل الحر، بسلطة الميليشيات، فيما يتجول جنرالات وعناصر الحرس الثوري الإيراني في مدنها وشوارعها بعد أن جعلوا منها دروعا أمامية للدفاع عن مصالح إيران، منكبين على خرائطها يرسمون عليها ساحات حربهم مع الأمريكيين.
هناك هدف واحد مُلح في العقل السياسي الإيراني، هو تغيير هوية منطقتنا ومحو صفة العروبة عنها، وهذه السياسة ليست وليدة اليوم، بل منذ الحكم الشاهنشاهي، ثم جاء النظام الحالي ليعلن، من خلال سياساته المستمرة منذ وصولهم إلى السلطة وحتى اليوم، أنهم في المسار السابق نفسه. فالتلاعب بالنسيج الاجتماعي لمجتمعاتنا العربية، لم ينفكوا يمارسونه يوميا من خلال زرع الميليشيات والأحزاب الطائفية، ونشر ثقافة الولاء خارج المنظومة الوطنية، وصناعة الولاء الديني لرجال دين خارج الحدود، وهذه كلها ممارسات سياسية صُنعت كي تكون مبررا لهم للتدخل في شؤون دولنا ومجتمعاتنا، وصولا إلى افتعال مناسبات ووضع نصب وصور تمثل رموزهم السياسية والدينية في مدننا العربية، كي تتركز في وعي أجيالنا القادمة هذه الشخصيات على أنها هي التي حررتنا، ودافعت عن وجودنا، وصنعت سيادتنا، وضحت من أجل مستقبلنا. وهذه كلها عملية مدبرة لصنع ولاءات جديدة، لا تقوم على أساس الولاء للوطن، بل الولاء لأفراد وشخصيات غرباء عنا، تم إسباغ صفة القداسة عليهم لصفتهم الدينية، أو بسب وقوعهم قتلى في صراع إيراني أمريكي لا علاقة لنا به، لكنهم يُصوّرونه على أنه من أجلنا ومن أجل فلسطين وهذه كذبة كبرى.
الحقيقة التي لا غبار عليها أن العلاقات بين إيران وأمريكا وبين إيران وإسرائيل، نسمع فيها نبرة عداء فقط، لكن ليست فيها سياسة حقيقية. إسرائيل بالنسبة لإيران ليست العدو الجيوستراتيجي الأول، فعدوها الجيوستراتيجي الأول هم العرب. فالفعل الإيراني ضد العرب يقابله صفر فعل إيراني تجاه إسرائيل. ابحثوا في التاريخ ستجدون كل حروب إيران كانت على أراضينا العربية. وابحثوا أيضا في التاريخ الحديث، كي تعلموا جيدا أن إيران لم تطلق إطلاقة بندقية واحدة ضد إسرائيل. تقول لي إنها تدعم هذا الطرف الفلسطيني وتلك الجهة. أقول إنه يدخل في مجال الاستثمار السياسي لا أكثر. دعمت قضيتنا الفلسطينية دول كثيرة في العالم، ليس لسواد عيون فلسطين، بل لأنها كانت حقل استثمار ناجح في الحرب الباردة بين المعسكرين. واليوم إيران تستخدمها في النطاق نفسه، وتوظفها في تحقيق نظرية الأمن القومي الإيراني. المراقب السياسي للدور الإيراني في المنطقة العربية، يرى لها وجوها عديدة ومتناقضة، وهذا يشير بوضوح إلى أنها تستخدم كل المسارات الممكنة لتحقيق مصالحها. فلها وجه عنصري بغيض عرفه العرب وترى بعض عناصره الان. وإيران لها وجه آخر وهو الظهور بمظهر زعيمة مذهب، وتريد أن تكون من خلاله محجة الإسلام المتحرك، لكن انظروا إلى موقفها الرافض لأذربيجان الشيعية والقريب من أرمينيا المسيحية.
إن افتعال مناسبة مقتل قاسم سليماني، وإقامة تماثيل وجداريات له في مدننا العربية، ممارسة سياسية قامت بها إيران وأعوانها، الهدف منها عكس الصورة المضادة لها التي شهدتها مدن وساحات العراق ولبنان، حين هاجم الشباب الثائرون القنصليات الإيرانية وأحرقوها وهتفوا بصوت عال منددين بها وبأذرعها.
كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. مثنى عبدالله:

    خالص الود والتقدير للقراء الاكارم وأخص منهم من وضع تعليقا على المقال , الاخ الكروي, بيع الاوهام ,سليم, جبار العبودي, الزميلة غادة , والاخ عبدالمجيد العرقوبي. وأقول للاخ العبودي نعم سيدت تكلمنا عن الاستعمار من قبل في مقالات عديدة ونتكلم اليوم أيضا عن الاستعمار الإيراني. خالص الود للجميع

  2. يقول غادة الشاويش _ عمان شقيقة القدس:

    تتمة التعليق:
    * اما بالنسبة لحماس فمنذ عصت حماس سلوكهم الدموي في سوريا وبدأ النظام يتحرش ببعض القيادات الأمنية للحركة نشاط النظام السوري الدواء علينا حاول حزب إيران في لبنان الذي يدعي بالله وصلا أن يصفنا بالابن الضال وبدؤوا في السطح بالصعيد الحي الأستاذ ابو الوليد خالد مشعل الذي قاد الجناح السياسي للحركة باعتدال واقتدار بدؤووا يلمعون الاخ الشهيد الحي شفى الله جراحه واثابه عن امة محمد الجنة محمد الضيف قائد الجناح العسكري أملا أن يقوم بإيجاد شرخ بين الجناح السياسي والجناح العسكري ووصفوا حماس يومها بالابن الضال ( وهي وقاحة لن نغفرها لهم بالمقاومة الفلسطينية منذ أيام فتح هي من كتبت مشروع حرس الثورة الإيراني لما جاء الشباب الايرانيون الثائرون في لبنان إلى حركة فتح وطلبوا من قيادة الثورة الفلسطينية في لبنان تدريبهم ليواجهوا عنف جيش الشاه وكتب أيامها لله أنيس نقاش مشروع حرس الثورة فضلا عن إنشاء كتائب الإمام العلي لأبناء الطائفة الشيعية الكريمة الذين كانوا يريدون القتال ضد الظلم الصهيوني ومنها نشأت أفواج المقاومة اللبنانية امل والتي انشق منها حركة امل الإسلامية ومنها نشأ ا حزب الله

  3. يقول غادة الشاويش _ عمان شقيقة القدس:

    راهن الايرانيون على خسارتنا بعد أن انسحبت الحركة من دمشق ! بسبب تحرشات الاستخبارات السورية
    ** تعالت أيامها أصوات داخل حزب الله ان حماس متهمة بأنها علمت المقاومة السورية حرب الانفاق وان بعضا من العبوات التي انفجرت بكلاب النظام السوري السفلة الفكرة المغتصبين كانت شيءا من ( المتفجرات ( c4 و تي ان تي) التي أكدت بها طهران المقاومة الفلسطينية كل هذا مع ان الحركة صانت تحالفها السياسي وانتماءها لأمتها وخرجت بصمت من دمشق رغم تحرش الدواعش بالحركة في مخيم اليرموك بقرار من النظام السوري وطهران بل حاولو ايضا في القطاع وبقوا شريطا يهددون فيه حماس وقادتها بنتف لحى قياداتها في غزة كما نتفوا لحى قيادتها ا في مخيم اليرموك في دمشق ( وانى لهم أن يقدروا علينا ) !
    * قطع الدعم فتفوقت المقاومة الفلسطينية بسواعد أبنائها بلا منة من أحد رغم الحصار وكتبوا مدى الصواريخ إلى ٨٠ كم دون منة من صواريخ طهران ذات ال٤٠ كم فضلا عن تهريبهم السلاح من مجاهدي ليبيا الاحرار واسقاطهم طائرة صهيونية وداست كتائب القسام على عنق الاحتلال فقالت قائد لواء النخبة جولاني في جيش العدو وأسرت جنودا صهاينة وكتبت جريدة الواشنتون بوست تصف قدرات مشاة القسام في حرب غزة على انهم امهر مقاتلي مشاة على وجه الأرض ..يتبع لطفا

  4. يقول غادة الشاويش _ عمان شقيقة القدس:

    *بقي امين عام حزب القتل الايراني في سورية والعراق نصر ( الله ) صامتا ولم يعلق على الحرب إلا بعد ١٤ يوما بعد أن ظهر أن هزيمة حماس في القطاع مستحيلة وأنها التنظيم الأقوى الذي لا يمكن استبداله والتعامل م ع غيره بدأت عروض الحزب لنا في التصالح مع النظام السوري بوساطة الحزب الذي كان لحماس فضل عليه لأنها هي من علمته حرب الانفاق بحرب الانفاق بصمة فلسطينية صرفة وأعادت طهران العلاقات لأنها فشلت في إيجاد بديل لنا والتحكم بقرارنا الفلسطيني كانت طهران تريد أن نكون جبهة تتحمل عنها فمثلا يذهب الحزب إلى معارك طهران في الإقليم واذا خشي من ضربة صهيونية في الجنوب تفتح طهران جبهة غزة لتخفيف الضغط عليهم أو منع اندلاع معركة لا يريدونها في عمق نفوذهم خصوصا وأن بيئتهم الصورية فسدت بشدة بعد حرب ٢٠٠٦ وأصبحوا مرتزقة وقتلة ينخرهم الفساد ظهرت حالات العمالة للصهاينة في عمق الجناح الأمني والعسكري للحزب ، اليوم تحاول طهران مغازلة الجناح العسكري وإيجاد صف موالي لها تماما في عمقنا. لكن عينا باتت تحرس في سبيل الله يتحرش جهادها عن الاختراق الجبان حتى لو تعاطى الله إسماعيل هنية مع ميتة الدعم الإيراني فقال شكرا سليماني! وستبقى وصية دلال المغربي فينا ( حاااافظوا على استقلالية القرار الفلسطيني )
    تلميذتك المحبة غادة

  5. يقول جلال الدين محمد:

    هادا غير صحيح إيران معزوله بسبب مساعده كل الشرفاء الدين يقفو في وجه الطغاة الخونه

    1. يقول غادة الشاويش _ عمان شقيقة القدس:

      الصراع الدولي مسألة ثابتة ووجود قوتين محتلتين طائفييتين على خصام لا يعني أن إحداهما على حق ! ..حضرتك تقول هذا الكلام غير صحيح من ثبت احقر طاغية عرفه التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية أعني بشار الأسد من الذي سار على أنقاض حلب واحالها على لينتغراد من الذي تحدى خيار شعوب المنطقة في التحرر من سوريا إلى اليمن إلى بيروت إلى بغداد! من غير المجرم سليماني الذي تسبب بحرب طائفية ومقتل مليوني انسان ! يا هذا طهران قوة احتلال طائفية عنصرية قومية بشعة مجرمة وكيان العدو الصهيوني قوة غاشمة محتلة قائمة على أساس عنصري هل يمكنك أن تخرج لي الفروق السبعة سوى أن الصهاينة لا يقتلون أبناء ملتهم أما طهران فتقتلنا!

  6. يقول حسن خميس:

    من وجهة نظر الكاتب نصب الضحية يثير الغطرسة
    لكن الجريمة نفسها لا تثير الغطرسة
    صحيح لا نستطيع منع الجريمة كما يقول البير كامو
    لكن لا يمكن تبريرها تحت اي عنوان

  7. يقول أيمن:

    السلاح والعتاد والتدريب والتقنية والمال للمقاومات الفلسطينية واللبنانية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية