ها قد أزفت ساعة الوداع .. وداع عام آخر كئيب سيمضي كسالف الأعوام التي خلتْ، وانقضتْ، وانصرمتْ، وانتهتْ، وولّتْ، وراحتْ واندرستٍ، وتلاشتْ فى سديم الزّمن، وسرمد العدم، وفارقتنا وانصرفت لحال سبيلها، عام زاد فى أعمارنا، ولكنه انتقص من وجودنا على هذه الأرض، ها هم ينتظرون ساعةَ الصّفر من جديد حيارىَ، سكارىَ، الكلّ يرقب، ويترقّب، وعندما تملأ المكانَ حرارةُ ودفء منتصفِ الليل، وتنطفئ الأضواءُ في كلّ مكان، يكون العناقُ تلوَ العناق، الصّادق منه، والمائق، والزّائف، الزّائد يتحوّل إلى نارٍ كاوية، وتدورالأكْؤُسُ، بل الكؤوس الدّهاق، وتتلوها الأكوابُ المُترعة حتى الثّمالة، وتُوزّع الصّحون الشهيّة، وتمتلئ البطونُ حتى التّخمة بالطعام المُزّ، والشّراب المُرّ، بعد أن تُوزّعُ الشموع الملوّنة، وتُعلّق القناديل المضيئة، وتوقدُ الشمعدانات المذهّبة ذات الأيدي الأخطبوطية المتشعّبة، التي يكاد زيتها يضيء حيناً، ويخبو حيناً آخر، تسطع أنوارُها فى رومانسيّة حالمة، خافتة، باهتة، وتتراقص فتائلها فى خَجلٍ بفعل الرّقصات الصّاخبة، وإهتزازات تنّورات الصّبايا الحِسَان، المكان يملأه الأثاثُ المزخرفَ، والأواني المزركشةَ، والألوان الزّاهية، والمآدبَ الفاخرة، والمصاطب العليا، ومشروبات الكوكتيل الشهيّة، وطحالب السّوشي اليابانية البحرية، وبطارخ الكافيار الرّوسيّة، والإيرانيّة، وشطائر سمك السَّلمون النرويجي المدخّن !.وخلف النوافذ المُشرعة تتراءى من بعيد الشهُب الإصطناعية البرّاقة التي تملأ الفضاءَ الفسيح، والحديث ذو شجون بين الجميع، يجرّ بعضُه بعضاً، يفرحون، يمرحون، يعبثون، يتشاجرون، يتصالحون، يصيحون، يغنّون، ويهلّلون، وهم دافئون.
مُنتصف اللّيل
إنّها ساعةُ الصّفر تُجَرْجِرُ أذيالها إلينا، ومنّا تدنو، وتقتربُ معها لحظةُ الهَوَس، والنَّزَق، والفرح والمرح، وها قد أزفتْ هنيهةُ (توديع عامٍ– وإستقبال آخر).. فإذا بالكلّ يصيح.بصوتٍ جهوري: أطفئوا المصابيحَ بُرهة…. ثمّ أوقدوا الشّموعَ، وانشروا الأنوارَ، وانثروا الضّياء ..سترى الوجوهَ باشّةً هاشّة ً ضاحكة، وترى القلوبَ تخفق سعادةً وهناءةً وحبوراً، وتلمح الأيدي، وهي تمتدّ في جَذلٍ نحو أخرى لتُصافحَهَا مهنّئةً إيّاها بإنسياب حِقبةٍ من الزّمان وإنقضائها، وبزوغ أخرى. كلّ المدن، والحواضرالكبرى ستسبحُ في فضاءٍ أثيريٍّ بهيج، وأضواءُ النيّون ستملأ الدّنيا، وستنتشرُ، وتسطعُ في أماكن بعينها، وسوف يستمرّ الظلامُ الدامسُ مُطبِقاً في أماكن أخرى، كثيرون منّا يجهلونها، قليلون منّا يعرفونها..ستعاقرُ الكؤوسُ بعضَها بعضاً، ستنفرِجُ الأشداقُ من فرط القهقهات، وتزيغُ العيونُ من فرط النظرات، وتنتفخُ الأوداج، وتتيه العقول .
ويظلّ آخرون..المنسيّون، المُهمّشون يلفّهم البردُ الزّمهرير القارس الذي يَصْلىِ المَقْرورَ، ويُبيحُ كلّ محظور، ويُجمّد الثلجَ الصقيع المتكاثف الجسومَ الهزيلة، وأبدانَ عاصبي البطون، الذين يمزّقُ أوصالَهم الطّوىَ، ويُغلفهم البؤسُ والتعاسةُ، ويسكنهم الضنكُ، وتسربلهم الكآبة، هناك دائماً وفرة، وزيادة، وغزارة، وهناك تضخّم فائض، أو فيضٌ متتضخّم، ولكن بالمقابل دائماً ثَمَّةَ عَوَزٌ، وخصَاصَةٌ، وفاقةٌ، وفقرٌ، وإحتياج، وقبضٌ من ريح، وحصادٌ من هشيم، ولفحةٌ لاسعة من برد قارس.
ها هو ذا عامٌ آخر من أعوام البشرية قد هَوَى، وإنْزَوَى، وَمَضَى إلى حالِ سبيله، لينسابَ كالسّيلِ العارمِ العَرَمْرَم، أو الآتيِّ المنهمِر الضّائع في طيّات الزّمن، وثنايا النّسيان، وفي معارج طباق السّماوات، ومدارج سديم الفضاءات السّرمديّة الأثيريّة، اللاّنهائية، واللاّمنتهية، واللاّمتناهية لينضمّ إلى سلسلةِ عقودِ الأعوام المنصرمة التي ولّت، ومضت، وإنقضت، وذهبت لحال سبيلها بدون رجعة.
شارل بودلير وأزهارُه
كان «بودلير» يكره الليل، لأنه كانت تقوى فيه عليه وتتفاقمُ آلامُه المُبرحة، كانت تتراءى له فيه هوّة عميقة، حالكة، سحيقة، لا قعر، ولا قاع لها أودت به فى آخر المطاف إلى التّوى، ثمّ فى جُنحه حاق به الرّدى، فقد كان يشمّ فيه- كما كان يقول- رائحة القبور. أواني الورد لديه، ومزهريّاته لا تكلّل سوى بـ»أزهاره الشرّيرة» الملعونة، وهو معذورٌ على كلّ حال، فهو فنّان معنّى، ومُبدعٌ معذّب، وعليل لا يشاطر الناسَ، ولا السّامرين شغفَهم بالليل، وهيامَهم بحلكته، إنه نقيضُهم على آخر الخط، وهو يعي جيّداً ما يقوله ويعنيه.
الليل.. سارق الضّياء
قديماً كانت الأسطورة تقول: كان البدائيّون يبكون أفولَ الشمس، وغيابَ القمر، وكانوا ينتحبون سدولَ الليل، ذلك أنّ الليلَ كان يسرق منهم الضياء، ويحرمهم من الدفء، ويطويهم تحت جبّته العملاقة الحالكة، ويبتلع كلّ شيء.. والآن تَرَى النَّاسَ يهلّلون لمقدمِ الليل، ويضجرون من وضح النهار، ذلك أنّ الليلَ فى عُرفهم ساكنٌ، راكنٌ هادئٌ، حالم سماوى، لا حرّ ولا قرّ فيه، من أين يأتي الحرُّ، ومن أين يجيء القرّ، وهناك العديد من المدفآت، والمبرّدات، ومكيّفات الهواء، والمراوح، والرّيش، والطنافس، والسجاجيد، والألحفة التى بمقدورها التحكّم في قيظ الحرارة، أولسعة البرد حسبما شاؤوا، أوأرادوا، إنّهم مُحقّون في ذك لا ريب، فالنّهار ليس لهم، إنّه للكادحين، والعسيفين، المُتعبين، الذين يعملون في الحقول، والمغاور، والمعامل، والمَصانع، والمَزارع، والمَقالع، والمَدامع، والمَعادن، أمّا الليل فهو ملك لهم، فرأيتَ إذن كيف إنقلبت الآية..؟ أفرأيتَ الآن كيف أنّ النّاس يتشاءمون، ويتثاءبون، ويستاؤون من غياب النّهار، وغروب الشمس..؟!
تفاقمت الحروب والثورات
الكلّ يصيح، والكلّ يرقص طرباً، ويضحكُ جذلاً بفرحة مَقدم العام الجديد، منتشياً، ومغتسلاً بغمرة… بل ب..( إقرأ بدلَ الغين خاءً) الدّوالي والكروم، وبهاجس إنسياب الزّمن، وزواله وإندثاره، فتنضحُ عنه، ويستبشرُ بها خيراً في إستقبال العهد القادم المهروِل، تُرىَ ماذا يحمل تحت جناحيه وأعطافه هذا اليعسوب الأثيريّ الطنّان الذي لا يتوقّف عن الزَنِّ والتحليق منذ الأزلْ، ولم يزلْ، تُرىَ ماذا يُخفي في طيّاته وثناياه..؟ أَ شَهْداً حُلواً مُصفّى وتَمْرَا..؟ أم حنضلاً مُرّاً وصِبْرا..؟ الكلّ ينشد السعادةَ، والهناءةَ، في عالمٍ مشحونٍ بالرّداءة، والكآبة، والشّقاء.
تفاقمت الحروب، وزادت نارها، وإشتعل أوارها، وحمي وطيسُها، نمتْ وإستشرت الفِتنُ، والقلاقلُ، وتفجّرت الثوراتُ في مختلف أصقاع المعمورة، وفي أماكنَ بعينها من العالم ما زالت رحى الحرب الممقوتة تدور بثقالها وثفالها الكريهة وستظلّ إلى أجَلٍ غيرِ معلوم ..في تلك البقعة النائية من العالم حيثُ القومُ الذين وُهِموا بالهداية والنّصر، ما برحوا يحتسون نُخبَ العام الجديد في جماجم بشرية، أنا، وأنت، وهو، والآخرون يعرفون أين تقع هذه الأرضُ الطيّبة.. إنها حيث يتسلّل الصيّادون ليلاً بفِخاخ البشر، وحشيتُهم أحدُّ فتكاً من أنياب الذئاب، وكبرياؤهم أشدّ عمىً من الآجام المظلمة، لننسَ أو لنتناسى قليلاً ..هكذا يقولون، كفانا هُراءً، وهرطقةً، وزندقةً، وتفلسفاً، وإفلاساً، وتذمّراً، وتنمُّراً، وتنطّعاً، وشكوىَ، فلنعانقْ، ولنعاقرْ ولنحتفِ، ولنمحِ من ذاكرتنا كلَّ شيء، ولو إلى حين، ولنجعلْ بيننا وبين الأحزان، والأشجان، والأدران برزخاً واسعاً، وهوّةً سحيقة عميقة.
المُؤمّلُ غَيْبٌ
الشّاعر البدين (جسماً) والرقيق (إحساساً) الذي عندما وضع يوماً عمّته وجبّته من على رأسه وبدنه الضّخم فى الأزهر وإنصرف، وَضَعَ معهما كذلك كلَّ همومِه وأحزانِه، واتتهُ الجرأةُ، والجَّهر بالحقيقة… حقيقة الموقف الفادح، فصاحَ ذاتَ يومٍ والخلاّنُ يمرحون، والإخوانُ يصيحون مهنّئين إيّاه :» كلّ سنة وأنت طيّب يا سّي كامل.. صحّ النّوم «فصاح فيهم منشداً، مغتمّاً، مهموماً، كئيباً، حزينا:
عُدْتَ يا يومَ مَوْلدِي/ عُدْتَ يَا أيّها الشقيّ.. الصّبا ضَاعَ من يدِي/ وَغَزَا الشَّيْبُ مَفْرِقِي.
الشّاعر المُعنّى كامل الشنّاوي، فى رحلة عمره، كان فى كلّ خطوة من خطواته يشبّ فى قلبه حريق، ويضيع من قدمه الطريق، كان صادقاً مع نفسه، ومع خلاّنه، ومع إخوانه، ومع واقعه لحظة تقييمه ليوم مولده، فقد خالف الناسَ في عُرفهم، إنّه يتوجّس خيفةً وهلعاً ورهبةً من هذا اليوم، لأنّه يعرف مدَى فداحة الموقف بالنسبة له وللآخرين، فهو لم يُخْفِ وجهَه، ولم يُدارِ مُحيّاه في الرِّمال كما فعل غيرُه، وإنساق وراء القطيع، بل إنّه رفع رأسَه، واشرأبّ بعنقه عالياً، سامقاً، ليُدينَ الزَّمنَ القاهر، الذى لا يتوقّف عن الدَّوَرَان حتى يصادف اليومَ المشهودَ الذي زُجَّ به بدون إستشارته في هذا العالم المشحون بشتّى ضروب العُنف، والعَنت، والتنكيل، والشقاء، والمُعاناة. ولئن قُرِنَ الكلامُ هنا بعيد ميلادِ شخصٍ، فذلك لأنَّ له إرتباطاً وثيقاً به، وفيه مَعنىً متقارب جدّاً بالنسبة لإنقضاء عام، وقدوم آخر، هذا العام في الواقع هو بمثابة عيد ميلاد للبشر جميعا، أو للبشرية جمعاء، ذلك أنّ كثيرين منّهم يشتركون في الإحتفال، والإحتفاء به جماعةً في كلِّ مكان، ففيه ترتفع الأهازيجُ، وتعلو أصوات الشّدو، والطرب، والغناء، والسّماع، وصلةُ كلّ هذه المعاني هي إلى الألمِ، والحزنِ، والأسى، والشّجن أقربُ منها إلى الفرح، والمرح، والسعادة، والجّذل، والغِبطة والحبور، ومع ذلك تراهم يتمادوْن في لامبالاتهم، ويتظاهرون أنّهم سُعداء …وقد يكون صنيعُهم ذاك من باب الإنتقام، وإغتنام الفرص وَعَمَلاً بنصيحة « الخيّام « القائل في هذا القبيل أن تمتّع بيومك قبل غدك، فمن أدراك أنّك راءٍ أو مُدْرِكٌ هذا الغدَ المجهول، أو من باب: الماضي فاتَ والمُؤمّلُ غَيْبٌ / ولكَ السّاعةُ التي أنتَ فِيهَا.
إنّه كلام يتناثر، ويتطاير في الفضاء، تماماً كما تناثر وتطاير في القديم كلامُ مَنْ شَيّد في أخيلته مُدناً فاضلة، وأقام فيها صروحاً وقصوراً ولكن العدالةَ ظلّت فيها طائراً حسيراً، كسيرَ الجناحين يحلّق بالكاد حولها، لا يَشمُّ سوى رائحةَ الظلم، والعنت، والتفاوت في كل مكان، واليومَ لم يعد ثمةَ أناس من هذا النّوع، فقد أصبحوا في عُرف الآخرين شبيهين بالحَمْقى أو بالمجّانين الذين يُفنون أعمارَهم في الأوهام، والأحلام، والخيالات، والترّهات التي لا طائلَ تحتها . بل ربّما كان هؤلاء هم الذين يعانون أكثرَ من غيرهم مختلفَ ضُروب البّؤس، والتعاسة، والضنك، النكد، والحرمان، بعد أن كسدت أسواق الفكرالخلاّق، ونشطت حركاتُ التقاليع الرّخيصة في كلّ شيء، في دنيا الفنون، والجنون، والمجون من كل ضرب، ربّما كان هؤلاء أكثرَ حظّاً، وجَدّاً، وحُظوةً من أولئك في الحياة الرّغدة.
كاتب من المغرب – عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم
أمتعت وأقنعت ! نحن في زمن نحاول مخاتلة الواقع بالمداراة والتظاهر بأننا سعداء ،كالمدمن ،كلما ازدادت جرعته ازدادت رغبته في المزيد ،وهكذا يبدأ ويعيد ،ويزعم أنه سعيد ،وهو يُرى من بعيد ،في صورة سيزيف البليد ؛ وعلى كل حال فعامكم مبارك سعيد.