إخراج العراق من محور الصراع الإقليمي

يتفق غالبية العراقيين على أن بلدهم يمثل المحور الرئيسي في الصراع الإقليمي بين إيران والسعودية ودول الخليج العربي, بعد أن تم إبعاده عن دائرة التأثير والقرار الإقليميـ وإدخاله بالتالي إلى دائرة التأثر وصراع القوى الاقليمية, لينعكس سلبا على الشارع العراقي, ويصبح عاملا لنمو الإرهاب الديني المتطرف، بغياب رؤية وطنية للنظام العراقي الحاكم في ضرورة إبعاد الإنسان العراقي عن مشاكل القوى الإقليمية المتصارعة, التي لا ترتبط أهدافها بطبيعة وأهداف العراق واستقلاله وسيادته بين دول المنطقة، حيث لم تعد الدولة المركزية هي الفاعل المؤثر في تفاعلات المنطقة، فيما أصبح تأثير تنظيم «داعش» وميليشيات إيران، أكثر وضوحا في رسم خطوط الدمار واستقرار البلد، وبات شيئا لا يمكـــن تجــــاهله، خاصة بعد أن تبين قدرة هذه التنظيــمات على فرض رؤيتها الفئوية الخاصة على الدولة المركزية. من جهة أخرى, أثبتت فترة ما بعد عملية غزو العراق أيضا على عدم مقدرة العالم العربي على معالجة الازمات الاقليمية العربية, بعد مسلسل المشاكل الداخلية والخارجـــــية التي واجهت الدول العربية الكــــبرى الثلاثة (مصر، العراق، سوريا) حيث ونتيجة لهذا الوضع الجديد الذي فرضه التدخل الخارجي، تم انتقال أولوية التعامل مع الأحداث في الشرق الأوسط إلى دول إقليمية غير عربية كإيران، إسرائيل وتركيا.
وعلى ما يبدو أن السمات الجديدة لخريطة الأحداث التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، في بداية عام 2016، أصبحت تُشكل وضعاً جديدًا ومختلفًا عما كان موجودًا في فترة ما قبل احتلال العراق في 2003، سواء من حيث نوع تغير خصوصية العراق من بلد مؤثر إلى كيان مهترئ وضعيف في خدمة مخططات وأهداف القوى الاقليمية المجاورة والمؤثرة على تفاعلاته، أو في ما يتعلق بحالة الاستقرار والوئام الاجتماعي فيه، أو من حيث طبيعة علاقته بإيران والولايات المتحدة الأمريكية، اللتين أصبحتا القوتين الرئيسيتين المسيطرتين على تفاعلاته ومستقبله كوطن واحد لكل العراقيين. فالعراق ومنذ احتلاله في 2003 وقع محط رغبة دولية سعت إلى تأمين وجود إيران كقوة إقليمية مهيمنة على الخليج العربي.
حيث كان لتعاظم النفوذ الإيراني في العراق ودوره في إخلال ميزان القوى في منطقة الخليج العربي، أحد أبرز أولويات قلق وتوجهات دول الخليج العربي، نظرا للخطورة التي يمثلها هذا النفوذ في تهديده للهوية الجغرافية الإقليمية من جهة, وإمكانية تأثر المناطق السعودية الشرقية والشمالية المحاذية للحدود مع العراق، بالحالة الطائفية السائدة في بلاد الرافدين نتيجة للتداخل السكاني للقبائل العربية عبر الحدود من جهة اخرى. من هذا المنطق, كان للوضع الجديد في العراق وسماح الولايات المتحدة الأمريكية لإيران في التمدد على أرضه، كلاعب إقليمي مؤثر, بمثابة إشارة واضحة لإعادة ترتيب معادلة القوى الإقليمية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. كما ان للعداء التاريخي الذي ميز العلاقات العربية ـ الفارسية والأطماع في منطقة الخليج العربي, واتساع رقعة مصالح إيران في العراق وسوريا، والرغبة في ربطهما بالمشروع الاقتصادي القومي، المتمثل في إيصال صادرات الغاز والنفط الإيراني إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق الأراضي العراقية والسورية, زاد من مخاوف المملكة العربية السعودية ودولة قطر في أن يؤثر هذا الاستفزاز الإيراني بتوظيفه للأرض العربية للتأثير على العرب أنفسهم، وإنهاء قدرة دول الخليج في بقاء سيطرتها على تجارة النفط والغاز. من هنا بدأت دول الخليج بتكثيف الجهود على نحو ما يسمح بوقف تداعيات التمدد القومي الإيراني وإعاقته بشتى الطرق، حيث كان لدولة قطر والمملكة العربية السعودية، كلاعبين إقليميين مؤثرين مصدر تمويلهم لا يستهان به للمعارضة العراقية الرافضة لوجود إيران وأحزابها الحاكمة في بغـداد، حيث ساهم هذا الدعم المادي والإعلامي إلى تحويل العراق إلى ساحة صراع اقليمية ما بين الدول العربية الخليجية الغنية بالنفط، وبين إيران المارقة والطامعة في بسط سيطرتها واحتلال موقع الصدارة سياسيا واقتصاديا, بعد الضوء الأخضر الأمريكي وتغير أولويات الادارات الأمريكية في واشنطن في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وتشجيعها غير المباشر للدب الروسي للتدخل في شؤون منطقة الشرق الأوسط، انطلاقا من مفهوم «الحرب بالوكالة» الذي أوقع العراق في الفخ منذ 2003.
وهكذا ينفذ العراقيون حربا تجنبت القوى الإقليمية والدولية خوضها مباشرة. في الوقت الذي تسجل الأحداث المؤلمة فصول مأساة وطن ينكسر، وآهات شعب يحتضر. شعب نُقشت على أجساد أبنائه بصمات المعاناة والآهات من خارج الحدود, شعب حكم عليه الغرباء أن يعيش بين القتل والإرهاب والتهجير وبين فساد وطغيان حكامه. شعب ينتظر الخلاص من مجازر يرتكبها «تنظيم داعش» شعب يناشد الشرفاء لتخليصهم من إجرام المليشيات وحقد معممي بلاد فارس.
في حروب الوكالة في العراق, تـُهجر العوائل بأطفالها ونسائها وشيوخها. في العراق المغلوب على أمره, ترفع رايات الغرباء لتفرق شعبا وتمحي وطنا من الخريطة، على الرغم من عمقه الحضاري والاقتصادي الذي تشهد عليه صفحات التاريخ والإنسانية. فإرادة العراقيين في البقاء خارج دائرة صراعات الوكالة الاقليمية للنهوض ببلدهم مجددا لم تمت بعد. إنها في قلوب وضمائر عشاقه وفي أعماق جذورهم الانسانية, خالدة كخلود بلاد الرافدين في الكتب السماوية.

٭ كاتب عراقي

أمير المفرجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبدالله العمري:

    بوركت إستاذ أمير
    مقال رائع
    نعم و بالعمق الحضاري للعراقيين ، إرادتهم لم حية صلبة للنهوض ببلدهم مجدداً و بإنتظار القائد الوطني ليللم الشمل ويوحد الكلمة فبركان الشعب العراقي على أهبة الثورة للخلاص مما وقع عليه من ظلم ذوي القربى والغرباء وما هذه الأنتفاضات والتضاهرات إلا إشارات هذه الثورة التي ستعيد للعراقيين عزهم ومجدهم .. (وسيعلم اللذين ظلمو ا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين )

  2. يقول أ.د خالد فهمي - تورونتو - كندا:

    شكراً للاستاذ المفرجي على المقال الذي يكشف ويثبّت كثير من الحقائق

    أعتقد أن هنالك موضوع مهم على المستوى الجيوستراتيجي في علاقة أيران بأميريكا…(لم يتطرق اليه المقال) كان عاملاً رئيسياً في تغيير موازين القوى والمصالح الاقليمية ألا وهو الاتفاق النووي الايراني – الاميريكي (بالدرجة الاساس وخمس دول أخرى) الذي أدخل أيران في ” النادي النووي “…

    يعتبر أوباما أن هذا أحد أهم انجازات ولايته الثانية وبالتالي تستحق أيران الخروج من دائرة ” الدول المارقة ” الى تلك المتعاونة أقليمياً ودولياً وبالتالي فأن أيران برأي أوباما وحزبه الديمقراطي ” تستحق ” أن تكون لاعباً مهماً في الشرق الاوسط ولذلك غض أوباما الطرف عن ” أبتلاع ” أيران للعراق وأستحكامها في الثورة السورية و حتى أشعال الحرب الحوثية في خاصرة صديقتها التقليدية…العربية السعودية !!!

اشترك في قائمتنا البريدية