منذ أن بدأ النظام الدولي حرب الإبادة على غزة، وأنا أتأمل مواقف الخذلان من القوى التي كان بعض الناس يتوهمون أن تقف مع أهل غزة.
منذ بدأت تلك الحرب استدعى ذهني الآية القرآنية. قال تعالى:
” فلما جن الليل عليه رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إنني وجهت وجهي إني وجهت للذي فطر السموات و الأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ”
تتحدث الآية عن قلق الإنسان الباحث عن الإيمان وتعلقه بالأوهام “الكواكب، القمر، الشمس ” ثم أفول تلك الأوهام وهماً وراء الآخر حتى وصل الإنسان إلى الإيمان الحقيقي .
وجدت هذا القلق والتعلق بالأوهام حتى الوصول إلى الحقيقة يشبه قلق الإنسان العربي الباحث عن الخلاص الحقيقي منذ مائة عام.
فكلما بزغت قوة دولية أو إقليمية علّق خلاصه عليها، من روسيا إلى الصين إلى إيران وتركيا.
ويُنقل آماله بالخلاص من قوة إلى أخرى، كلما أفلت قوة علّق آماله على أخرى. لكن الجديد في حرب غزة أن تلك القوى، جميعها، قد أفلت ودفعة واحدة.
فقد صمت بعضها صمت القبور، وبعضها الآخر لم تكن استجابته على مستوى الحدث على الإطلاق، وهي التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً قبل ذلك، وتعلن أنها لن ترضى بأقل من رأس الكيان.
في غزة أفلت كل أوهام الإنسان العربي دفعة واحدة. والاستجابة الوحيدة المنطقية من الإنسان العربي ، بعد أفول كل الأوهام ، هي أن يعلن براءته من كل ذلك ثم يوجه وجهه شطر السماء، ويعلن إيمانه بقوته وقدراته الذاتية وأن لا خلاص إلا ما بما تصنعه يداه.
كل إيمان بخلاص عربي يأتي من قوى إقليمية أو دولية هو بمثابة الشرك بالله.
المحكمة الجنائية الدولية
المحكمة الجنائية الدولية هي وهم آخر. انزاح من طريق العرب.
المحكمة الجنائية الدولية هي مؤسسة من مؤسسات النظام الدولي القائم الذي صنعه الغرب وتسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية حالياً.
هل نتوقع من هذه المحكمة أن تحكم ضد ما يغضب صانعها.
وظيفة هذه المؤسسات وأمثالها “مجلس الأمن، الأمم المتحدة ….الخ ” وظيفتها أن تعطي جرعة مخدر للضحايا. كي لا يجدوا طريق الخلاص الحقيقي.
لكن هذه المؤسسات، ومنها المحكمة الجنائية الدولية لم تستطع أن تعطي أي جرعة مخدر هذه المرة.
نعم هذا صحيح وإن دل على شيء فهو أزمة النظام الدولي القائم وقرب أفول نجمه. وهذا أفضل لأن المريض سيستفيق ويبدأ البحث عن خلاصه الحقيقي بعد أن تخلص من أوهامه دفعة واحدة.
مؤسسات النظام الدولي
أخطر ما كان يمكن أن يحدث في حرب غزة أن تنتصر هذه المحكمة، أو أي مؤسسة من مؤسسات النظام الدولي القائمة، أن تنتصر لإنسان غزة فتصدر حكماً بوقف الحرب فوراً وأن يجد هذا الحكم طريقه للتنفيذ.
هذا الحكم كان سيعيد بعضاً من الاعتبار لمؤسسات النظام الدولي القائمة. وهذا يعني بقاء الأوهام . وتأخر صحو المريض.
أما الآن فإن الحقائق عارية أمام الإنسان العربي وعليه أن يصحو.
أيا كانت نهاية حرب غزة فأنا أتوقع أن المهمة العاجلة لمؤسسات النظام الدولي القائم هي إعادة تخدير المريض الذي يؤذن استيقاظه من سباته الطويل بزوال النظام الدولي القائم وبناء نظام دولي على أسس جديدة أكثر إنسانية.
ترميم الأوهام
سيحاولون ترميم الأوهام السابقة عبر تصريحات ومبادرات أو سيخترعون وهماً جديداً يوجهون أنظار العرب نحوه.
زوال الأوهام هو أول طريق الخلاص . هو طريق طويل ومكلف. لكن يجب أن يبدأ ، والتحرر من الأوهام هو بدايته.
كاتب سوري
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قالَ هذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَفَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِن لَم يَهدِني رَبّي لَأَكونَنَّ مِنَ القَومِ الضّالّينَفَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبّي هذا أَكبَرُ فَلَمّا أَفَلَت قالَ يا قَومِ إِنّي بَريءٌ مِمّا تُشرِكونَإِنّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ حَنيفًا وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ﴾
الأنعام: ٧٦-٧٩
شكراً أخي ثائر دوري. في الحقيقة لقد اكتشف الشعب السوري هذه الأوهام فكان نداء الثورة مالنا غيرك ياالله. لكن بالنسبة لغزة في الحقيقة كنت أتمنى لو نجحت المحاولات لإعطاء محكمة العدل الدولية دوراً مهماً في حرب غزة، لكن اتضح الأمر بسرعة بالرسالة التي أرسلها بعض النواب الأمريكيين (جمهوريين على حد علمي) وقد نشرت عنها القدس العربي قبل عدة إيام نقلاً عن صحيفة أمريكية، وفيه يهددون كريم خان الذي الذي ذهب إلى أوكرنيا وأصدر حكم بحق بوتين فيما بعد، هددوه في حال اتخذ قراراً بحق نتنياهو وقادة جيشه. في النهاية لاأعرف إذا كنا سننهض حتى لو اكتشفنا الأوهام رغم أنها مرحلة مهمة، أما بناء نظام عالمي جديد فلايبدو في الأفق أنه سيظهر على وجه السرعة رغم كل الأمنيات المنتشرة في العالم. عموماً أنا متفائل رغم أن الوقائع لاتشير إلى ذلك على المدى القريب، ذلك لأن القوى اللازمة ليست على المستوى المطلوب، باستثاء بعض الدول مثل جنوب أفريقيا والبرازيل مثلاً.