عار العرب المبثوث في مدن الشتات

إذا كنت تريد أن تعرف مدى بشاعة ومأساة ما فعله بعض أنظمة الحكم العربية بمواطنيها، فما عليك إلا أن تزور مدن الغرب الأوروبي لترى بؤس حياة أولئك الضحايا. دعني أصف ما شاهدت وعرفت في مدينة إنكليزية تقع على حافة لندن. في الشوارع والأسواق والمطاعم يتعرف الإنسان على ألوف الوجوه التي طالما شاهدها عبر حياته في مدن الوطن العربي: من مصر وسوريا والعراق ولبنان واليمن والمغرب العربي وحتى الخليج العربي وغيرها. وجوه متعبة، أو شاحبة، أو مبتسمة باستسلام وخضوع، أو متسكعة في الأزقة، أو على حواف الطرقات الصاخبة، أو وجوه أمهات متعبات يهدئن جيوش الأطفال من ورائهن، بوجوه نسيت الفرح وبعيون زائغة لا تفهم ولا تتعرف على ما يدور حولها من سلوكيات وأحاديث.
تستوقف أحدهم أو إحداهن من أين الأخ أو الأخت؟ من ذاك البلد العربي المأزوم أو ذاك الوطن المهدم المسحوق، يأتيك الجواب، هل أنت هنا منذ زمن طويل؟ يصلك الجواب منذ عشر، عشرين، ثلاثين، أربعين سنة. أما إن تجرأت وسألت عن مصادر عيشهم هم وعائلاتهم فستكون قائمة طويلة من الوظائف الخدمية المتواضعة، أو الإعانات الحكومية، أو ما يرسله الأولاد العاملون في بلدان اليسر من هبات لتقيهم مصادر التسول، أو بيع الشرف أو خيانة الضمير.

ظاهرة المهاجرين الهائمين العرب، الذين يكتوون بنيران الغربة والتسولات المذلة أصبحت محنة عربية قومية كبرى، لتضاف إلى محن الوطن العربي الكثيرة

وبين الحين والآخر تتساقط الدموع أو تسمع الآهات بشأن أم مقعدة جائعة، أو أب مصاب بمرض الخرف ويعيش حالة العزلة التامة في المكان والزمان. تقف أنت مشدوهاً ومفجوعاً وغضبان ولاعناً يعقبه طرح السؤال على نفسك: مدن الغرب يزورها في طيلة أيام السنة الملوك والأمراء والرؤساء والوزراء والضباط، وكثير من المسؤولين، فهل يا ترى تجول أحدهم أو مرافقوهم أو حتى خدمهم في شوارع مدن الغرب، ليشاهدوا تلك الوجوه الهائمة العابسة المكسورة، التي كان ظلمهم وطمعهم وفسادهم وجهلهم وتحزباتهم الطائفية والقبلية سبباً في وجود تلك الوجوه في المنافي، والأعمال التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ أجزم أن الجواب هو كلا ثم كلا، فهؤلاء من كبار القوم، المتربعين على كراسي الحكم، الساكنين أفخر البيوت والفنادق في المدن الأوروبية، يتنقلون فقط بسياراتهم الفارهة غالية الثمن، محروسين من قبل حراس يقظين قساة موالين بعمى الضمير ونيران الخوف من عقاب السيد ومن وراء السيد. هؤلاء من المترفين يفعلون أكثر من ذلك: إنهم يلومون الملايين المهاجرة ويتهمونها بأنها قليلة المروءة والعرفان بالفضل، وبالتالي تستحق المصير الذي وصلت إليه. ظاهرة المهاجرين الهائمين العرب، الذين يكتوون بنيران الغربة والتسولات المذلة والعيش في أكواخ الفقر وعيش الفتات، أصبحت محنة عربية قومية كبرى، لتضاف إلى محن الوطن العربي الكثيرة، ولأنها كذلك تحتاج أن تواجه لا من قبل كل قطر على حدة، ولا من قبل المساعدات الأجنبية المقدمة بألف شرط مذل، وبالطبع ليس من قبل القوى الاستعمارية والصهيونية التي تعرض بانتهازية وحقارة المساعدة في الأمر. عيب على الجامعة العربية ومؤسسة قمة الرؤساء العرب أن يجلسوا متفرجين ينتظرون الفرج. عيب على المزكين أن لا تشمل أموال زكاتهم المساهمة في حل هذه الظاهرة. عيب على شرف هذه الأمة أن تقبل بأن يكون مصير الملايين من شعوبها في هذه الصورة البائسة، وأن تقوم بعض الأنظمة السياسية الأوروبية بواجب المساعدة، بصورة أكبر عطاءً والتزاماً أخلاقياً ودينياً. عيب على وزراء التربية العرب أن لا يفعلوا شيئاً لأطفال المهاجرين الغاطسين في الأمية الأبجدية العربية، والمهددة هويتهم العروبية وثقافتهم التاريخية المشتركة. عيب على بعض أغنياء العرب أن تذهب أموالهم لمساعدة فقراء الكيان الصهيوني الحاصل على بلايين المساعدات من كل حدب وصوب، وتناسيهم المهجرين والمهاجرين العرب. عيب…وعيب…وعيب.
وأخيراً عيب على علية القوم العرب أن يزوروا مدن الشتات لملايين العرب، من دون أن يتنازلوا ويمشوا في شوارع تلك المدن ليشاهدوا عار العرب، وهوان العرب. مبثوثاً في كل بقعة من بقاعها.
كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محي الدين احمد علي:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . عار العرب المبثوث في مدن الشتات الى الأستاذ محمد على فخرو . عنوان هذا المقال جعلاني ارجع الى الخلف أتذكر أشياء من عدة سنين عندما قامت ثورات الربيع العربي وامتلأت أثينا بالمهاجرين من جميع الدول العربية والغير عربية ولكني في هذه الكلمة البسيطة سأتكلم عن العرب لان مسجدنا كان معروف انه مسجد العرب بدون نحن ما نروج لهذا الخصوص وكانت تحضر الى المسجد نساء وأطفال في عمر الزهور لا حصر لها لطلب المساعدة وانا عاجز عن دفع مصاريف المسجد ولكن كنت اساعد كل يوم جمعه بما اقدر عليه من الصندوق الذي عاجز عن دفع مصاريف المسجد وذاد عليه الضغط لدرجة فكرت الاتصال بالسفارات العربية وانا الحمد لله حسن السمعة بشهادة الجميع وتم الاتصال بمن هم قادرين على المساعدة وشرحت الموقف بمنتهي الأمانة واقسم بالله لم اصدق نفسي من عدم المبالاة وكانت صدمة لي ولم اقدر افسر هذا البخل الشنيع امام مأساة بكل المقاييس وفي يوم اتصل بي صديق واعطاني رقم تلفون لكي اتصل ب شخص وتم الاتصال وكان هذا الشخص مسؤول عن وحدة من العسكرين من دولة خليجية وتم تخرجهم من اليونان وسيغادرون أثينا وعندهم مخزن مواد غذائية حوالي 6 او 7 طن . متبع

  2. يقول محي الدين احمد علي:

    ولم اصدق نفسي وتم نقل المواد الغذائية الى مسجدنا والحمد لله مسجدنا كبير وشاع الخبر في أثينا وتم التوزيع وكانت مواد على اعلاء مستوي من الفخامة ومما لفت نظري وكنت بمنتهي السعادة انا والفريق الذي قام بعمل الكراتين عندما لم اراء أي امرأة تحضر الى المسجد لمدة 15 يوم لطلب المساعدة . والسبب يجود عندهم طعام طول هذه المدة . الجليات والشعوب العربية تملك من الكرامة الكثير . ولكن اكثرهم لا يعلمون . وشكرا

  3. يقول نوارة+سوريا:

    قد أسمعت لو ناديت حيُا

  4. يقول سلام عادل(المانيا):

    الحقيقة انا لا اعرف الاوضاع بالنسبة لالاجئين عموما وليس العرب فقط في لندن او بريطانيا عموما ولكن لو زار الاستاذ علي محمد فخرو اي مدينة اوربية اخرى باستثناء الدول التي لا تمنح لجوءا فسيكون العنوان معكوسا تماما فالسوريون في المانيا وكذلك العراقيون وغيرهم ممن حصلوا على حق اللجوء يتمتعون بحياة كريمة من جميع النواحي وما كان بالنسبة اليهم حلما او مستحيلا في بلادهم اصبح حقيقة والعوائل التي لديها 4او 5 اطفال اشتروا سيارة لها قيمة في السوق بعد سنة او سنتين من مجيئهم والان عرفوا الفرق في حياتهم في بلدانهم التعيسة وبلدان اوربا وبالاخص في فترة الماضية من جائحة كورونا

  5. يقول Farid Furat:

    كبار القوم أصبحوا كبار لأنهم سرقوا وتسلطوا على القوم فليس لهم أي أكتراث لما يحصل للمتعبين من القوم. بالعكس كبارهم ساهموا بطردهم إلى الهجرة وإلى دول اللجوء.

اشترك في قائمتنا البريدية